قوله تعالى: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ } أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجرًا فيثقل عليكم مكافأتي . { إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله } في تبليغ رسالته . { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } أي الموحدين لله تعالى . فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء «أجرِيَ» حيث وقع ، وأسكن الباقون .
قوله تعالى: { فَكَذَّبُوهُ } يعني نوحًا . { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ } أي من المؤمنين . { فِي الفلك } أي السفينة ، وسيأتي ذكرها . { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } أي سكان الأرض وخَلَفًا ممن غرِق . { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا .
قوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نوح . { رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ } كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم . { فَجَآءُوهُمْ بالبينات } أي بالمعجزات . { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل . وقيل: «بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» أي من قبل يوم الذَّر ، فإنه كان فيهم من كذّب بقلبه وإن قال الجميع: بلى . قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم؛ مثل: { أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] . { كَذَلِكَ نَطْبَعُ } أي نختم . { على قُلوبِ المعتدين } أي المجاوزين الحدّ في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا . وهذا يردّ على القدرية قولهم كما تقدّم .
وقال الرازي (1) :
اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه: أحدها: أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلًا قويًا . وثانيها: ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت . وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال ، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببًا لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة . ورابعها: أنا قد دللنا على أن محمدًا عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علمًا ، ولم يطالع كتابًا ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة .
فالقصة الأولى: قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة: الأول: أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني: أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا .
المسألة الثانية: أن نوحًا عليه السلام قال لقومه: { إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط فهو مركب من قيدين:
القيد الأول: قوله: { إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } قال الواحدي في «البسيط» : يقال كبر يكبر كبرًا في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبرًا وكبارة . قال ابن عباس: ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال: أقام بين أظهرهم مقامًا وإقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله: { كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } جار مجرى قولهم: فلان ثقيل الظل .
(1) - تفسير الرازي - (ج 8 / ص 323)