فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1236

واعلم أن سبب هذا الثقل أمران: أحدهما: أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا . والثاني: أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها ، ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل .

والقيد الثاني: هو قوله: { وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله } .

واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله: { إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله } معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرًا وكلامهم مسموعًا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائمًا وهم قعود .

واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان:

القول الأول: أن الجزاء هو قوله: { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله .

واعلم أنه عليه السلام كان أبدًا متوكلًا على الله تعالى ، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة ، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة .

والقول الثاني: وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله: { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } وقوله: { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئًا فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب .

القيد الأول: قوله: { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } وفيه بحثان:

البحث الأول: قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد:

يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل اغدون يومًا وأمري مجمع

فإذا أردت جمع التفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون ، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره ، أي جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا ، قال: وتفرقه ، أي جعل يتدبره فيقول: مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه ، أي جعله جميعًا فهذا هو الأصل في الإجماع ، ومنه قوله تعالى: { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ }

[ يوسف: 102 ] ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل: أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر .

البحث الثاني: روى الأصمعي عن نافع { فَاجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان: الأول: قال أبو علي الفارسي: فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف ، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . الثاني: قال ابن الأنباري: المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، فالتقدير: ولا تدعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه .

والقيد الثاني: قوله: { وَشُرَكَاءكُمْ } وفيه أبحاث:

البحث الأول: الواو ههنا بمعنى مع ، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك .

البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة ، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم ، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر .

البحث الثالث: قرأ الحسن وجماعة من القراء { وَشُرَكَاؤُكُمْ } بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع ، والتقدير: فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي: وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله: { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [ البقرة: 35 ] لأن قوله: { أَمَرَكُمُ } فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف .

القيد الثالث: قوله: { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } قال أبو الهيثم: أي مبهمًا من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة:

لعمري ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد

وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج: أي ليكن أمركم ظاهرًا منكشفًا .

القيد الرابع: قوله: { ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ } وفيه بحثان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت