فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 1236

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

من مقارعة المشركين بالحجج الساطعة على بطلان دينهم ، وبالدلائل الواضحة على تفنيد أكاذيبهم وتكذيبهم وما تخلل ذلك من الموعظة والوعيد بالعذاب العاجل والآجل والإرهاب ، إلى التعريض لهم بذكر ما حل بالأمم المماثلة أحوالها لأحوالهم ، استقصاء لطرائق الحجاج على أصحاب اللجاج؛ فإن نوحًا عليه السلام مع قومه مَثَل لحال محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قومه في ابتداء الأمر وتطوره ، ففي ذكر عاقبة قوم نوح عليه السلام تعريض للمشركين بأن عاقبتهم كعاقبة أولئك أو أنهم إنما يمتعون قليلًا ثم يؤخذون أخذة رابية ، كما متع قوم نوح زمنًا طويلًا ثم لم يفلتوا من العذاب في الدنيا ، فذكر قصة نوح مع قومه عِظة للمشركين وملقيًا بالوجل والذعر في قلوبهم ، وفي ذلك تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بأنهم إسوة بالأنبياء ، والصالحين من أقوامهم ، وكذلك قصة موسى عليه السلام عقبها كما ينبيء عن ذلك قولهُ في نهاية هذه القصص { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [ يونس: 99 ] الآيات . وقوله: { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } [ يونس: 94 ] الآيات .

وبهذا يظهر حسن موقع ( إذْ ) من قوله: { إذ قال لقومه يا قوم } إلى آخره ، فإن تقييد النبأ بزمن قوله: { لقومه } إيماء إلى أن محاورته قومه وإصرارهم على الإعراض هو محل العبرة ، لأنه وجه الشبه بين المشركين وبين قوم نوح عليه السلام في صم آذانهم عن دعوة رسولهم ، وقوله ذلك لهم إنما كان بعد أن كرر دعاءَهم زمنًا طويلًا فكان ذلك آخر جدل بينه وبينهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد دعا أهل مكة سنين وقت نزول هذه السورة ثم حاورهم وجادلهم ولأن ذلك الزمن هو أعظم موقف وقفه نوح عليه السلام مع قومه ، وكان هو الموقف الفاصل الذي أعقبه العذاب بالغرق .

و { إذا } اسم للزمن الماضي . وهو هنا بدل اشتمال من { نبأ } أو من { نوح } . وفي ذكر قصة نوح عليه السلام وما بعدها تفصيل لما تقدم إجماله من قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لمَّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات } [ يونس: 13 ] .

وضمير { عليهم } عائد إلى { الذين يفترون على الله الكذب } [ يونس: 69 ] .

والتلاوة: القراءة . وتقدمت في سورة الأنفال .

والنبأ: الخبر . وتقدم في قوله: { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } في سورة [ الأنعام: 34 ] .

والتعريف بنوح عليه السلام وتاريخه مضى في أول آل عمران .

وتعريف قوم نوح بطريق الإضافة إلى ضمير نوح في قوله: إذ قَال لقومه إذ ليس ثمة طريق لتعريفهم غير ذلك إذ لم يكن لتلك الأمة اسم تعرف به ، فإنهم كانوا أمة واحدة في الأرض فلم يحصل داع إلى تسميتهم باسم جَد أو أرض إذ لم يكن ما يدعو إلى تمييزهم إذ ليس ثمة غيرهم ، ألا ترى إلى حكاية الله عن هود في قوله لقومه

{ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [ الأعراف: 69 ] ، ولما حكى عن صالح إذ قال لقومه: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } [ الأعراف: 74 ]

وظرف { إذ } وما أضيف إليه في موضع الحال من { نبأ نوح } .

وافتتاح خطاب نوح قومَه ب { يا قوم } إيذان بأهيمة ما سيلقيه إليهم ، لأن النداء طلب الإقبال . ولما كان هنا ليس لطلب إقبال قومه إليه لأنه ما ابتدأ خطابهم إلا في مجمعهم تعين أن النداء مستعمل مجازًا في طلب الإقبال المجازي ، وهو توجيه أذهانهم إلى فهم ما سيقوله .

واختيار التعبير عنهم بوصف كونهم قومه تحبيب لهم في نفسه ليأخذوا قوله مأخذ قول الناصح المتطلب الخيرَ لهم ، لأن المرء لا يريد لقومه إلا خيرًا . وحذفت ياء المتكلم من المنادى المضاف إليها على الاستعمال المشهور في نداء المضاف إلى ياء المتكلم .

ومعنى: { إن كان كبُر عليكم مقامي } شق عليكم وأحرجكم .

والكبَر: وفرة حجم الجسم بالنسبة لأمثاله من أجسام نوعه ، ويستعار الكبَر لكون وصف من أوصاف الذوات أو المعاني أقوى فيه منه في أمثاله من نوعه ، فقد يكون مدحًا كقوله تعالى: { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [ البقرة: 45 ] ، ويكون ذمًا كقوله: { كَبُرَتْ كلمة تخرج من أفواههم } [ الكهف: 5 ] ، ويستعار الكبَر للمشقة والحرج ، كقوله تعالى: { كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى: 13 ] وقوله: { وإن كان كَبُر عليك إعراضهم } [ الأنعام: 35 ] وكذلك هنا .

والمقام مصدر ميمي مرادف للقيام . وقد استعمل هنا في معنى شأن المرء وحاله كما في قوله تعالى: { ولمَن خاف مقام ربه جنتان } [ الرحمن: 46 ] ، وقوله: { قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مَقامًا } [ مريم: 73 ] أي خير حالة وشأنًا . وهو استعمال من قبيل الكناية ، لأن مكان المرء ومقامه من لوازم ذاته ، وفيهما مظاهر أحواله .

وخَص بالذكر من أحواله فيهم تذكيره إياهم بآيات الله ، لأن ذلك من أهم شؤونه مع قومه ، فعطفه من عطف الخاص على العام . فمعنى: { كَبُر عليكم مقامي وتذكيري } سئمتم أحوالي معكم وخاصة بتذكيري بآيات الله .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 7 / ص 33)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت