وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين ; فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان - وفق ذلك المنهج الموجه ! - من حيث لا يشعرون ! وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم . حين يقرر أن آدم - عليه السلام - هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام . وأن نوحا - عليه السلام - واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه . . القائم على التوحيد المطلق . . وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ; وأن الرسل جميعا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام . . القائم على التوحيد المطلق . . وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد - إنما كان الترقي والتركيب والتوسعفي الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة - وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة . إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية - حتى بعد انحراف الأجيال عنها - ترقي عقائدهم الجاهلية ذاتها ; حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني . أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعا ! وقد وجدت هكذا كاملة منذ وجدت , لأنها ليست نابعة من أفكار البشر ومعلوماتهم المترقية ; إنما هي آتية لهم من عند الله سبحانه . فهي حق منذ اللحظة الأولى , وهي كاملة منذ اللحظة الأولى . .
هذا ما يقرره القرآن الكريم ; ويقوم عليه التصور الإسلامي . فلا مجال - إذن - لباحث مسلم - وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام ! - أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم , إلى شيء مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة . تلك النظريات النابعة من منهج موجه كما أسلفنا !
ومع أننا هنا - في ظلال القرآن - لا نناقش الأخطاء والمزالق في الكتابات التي تكتب عن الإسلام - إذ أن مجال هذه المناقشة بحث آخر مستقل - . . ولكننا نلم بنموذج واحد , نعرضه في مواجهة المنهج القرآني والتقريرات القرآنية في هذه القضية . .
كتب الأستاذ العقاد في كتابه:"الله"في فصل أصل العقيدة:
.."ترقى الإنسان في العقائد . كما ترقى في العلوم والصناعات ."
"فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى , وكذلك كانت علومه وصناعاته . فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات , وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى ."
"وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات ."لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى .
"وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة , وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان , ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض , ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام . ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام . ولعلها لا تزال ."
"فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين , ولا على أنها تبحث عن محال . وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة شاملة في عصر واحد ; وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعد عصر , وطورا بعد طور . وأسلوبا بعد أسلوب , كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى , بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان ."
"وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول , ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية , أو بين أمم الحضارة العريقة . ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك , ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة . فهذه هي وحدهاالنتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها . وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء , أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر الدين . فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء , إنما يبحث عن محال . . ."
كذلك كتب في فصل:"أطوار العقيدة الإلهية"في الكتاب نفسه:
"يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب:"
وهي دور التعدد
ودور التمييز والترجيح
ودور الوحدانية
"ففي دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أربابا تعد بالعشرات , وقد تتجاوز العشرات إلى المئات . ويوشك في هذا الدور أن يكون لكل أسرة كبيرة رب تعبده , أو تعويذة تنوب عن الرب في الحضور , وتقبل الصلوات والقرابين ."