فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 1236

"وفي الدور الثاني وهو دور التمييز والترجيح تبقى الأرباب على كثرتها , ويأخذ رب منها في البروز والرجحان على سائرها . إما لأنه رب القبيلة الكبرى التي تدين لها القبائل الأخرى بالزعامة , وتعتمد عليها في شؤون الدفاع والمعاش , وإما لأنه يحقق لعباده جميعا مطلبا أعظم وألزم من سائر المطالب التي تحققها الأرباب المختلفة , كأن يكون رب المطر والإقليم في حاجة إليه , أو رب الزوابع والرياح وهي موضع رجاء أو خشية يعلو على موضع الرجاء والخشية عند الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعية ."

"وفي الدور الثالث تتوحد الأمة , فتتجمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل إقليم من الأقاليم المتفرقة . ويحدث في هذا الدور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها كما تفرض عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها , ويحدث أيضا أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلهها , مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع , والحاشية للملك المطاع ."

"ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلا بعد أطوارا من الحضارة تشيع فيها المعرفة , ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية , فتصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة , وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة الله وحكمته العالية , وكثيرا ما يتفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة , وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية . . ."الخ .

وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصا من آراء علماء الدين المقارن أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم ; ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية . وأن التطور من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد تطور زمني مطرد على الإجمال . .

وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه:"موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية , منذ أن اتخذ الإنسان ربا , إلى أن عرف الله الأحد , واهتدى إلى نزاهة التوحيد". . .

والذي لا شك فيه أن الله سبحانه يقرر في كتابه الكريم , تقريرا واضحا جازما , شيئا آخر غير ما يقرره صاحب كتاب:"الله"متأثرا فيه بمنهج علماء الأديان المقارنة . . وأن الذي يقرره الله - سبحانه - أن آدموهو أول البشر عرف حقيقة التوحيد كاملة , وعرف نزاهة التوحيد غير مشوبة بشائبة من التعدد والتثنية , وعرف الدينونة لله وحده باتباع ما يتلقى منه وحده . وأنه عرف بنيه بهذه العقيدة , فكانت هنالك أجيال في أقدم تاريخ البشرية لا تعرف إلا الإسلام دينا , وإلا التوحيد عقيدة . . وأنه لما طال الأمد على الأجيال المتتابعة من ذرية آدم انحرفت عن التوحيد . . ربما إلى التثنية وربما إلى التعدد . . ودانت لشتى الأرباب الزائفة . . . حتى جاءها نوح عليه السلام بالتوحيد من جديد . وأن الذين بقوا على الجاهلية أغرقهم الطوفان جميعا ; ولم ينج إلا المسلمون الموحدون الذين يعرفون"نزاهة التوحيد"وينكرون التعدد والتثنية وسائر الأرباب والعبادات الجاهلية ! ولنا أن نجزم أن أجيالا من ذراري هؤلاء الناجين عاشت كذلك بالإسلام القائم على التوحيد المطلق . قبل أن يطول عليهم الأمد , ويعودوا إلى الانحراف عن التوحيد من جديد . . وأنه هكذا كان شأن كل رسول: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . .

والذي لاشك فيه أن هذا شيء , والذي يقرره علماء الأديان المقارنة ويتابعهم فيه مؤلف كتاب:"الله"شيء آخر . وبينهما تقابل تام في منهج النظر وفي النتائج التي ينتهي إليها . . وآراء الباحثين في تاريخ الأديان ليست سوى نظريات يعارض بعضها بعضا , فهي ليست الكلمة النهاية حتى في مباحث البشر الفانين !

وما من شك أنه حين يقرر الله - سبحانه - أمرا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع , ويقرر غيره أمرا آخر مغايرا له تمام المغايرة , فإن قول الله يكون أولى بالاتباع . وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ; ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة . . وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيا من عند الله , ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم ; وإنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجيء بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ , ولا في أيه رسالة . كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله ; وهي أنه وحي من الله , وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور ! وليس وقفا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت