اعلم أن الذي قدمه من قوله: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } [ آل عمران: 137 ] وقوله: { هذا بيان للناس } [ آل عمران: 138 ] كالمقدمة لقوله: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة ، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور ، وصارت دولة أهل الحق عالية ، وصولة أهل الباطل مندرسة ، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سببًا لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم ، بل يجب أن يقوى قلبكم فان الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم .
ثم نقول قوله: { وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا عن الجهاد ، والوهن الضعف قال تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام { إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى } [ مريم: 4 ] وقوله: { وَلاَ تَحْزَنُواْ } أي على من قتل منكم أو جرح وقوله: { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } فيه وجوه: الأول: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد ، وهو كقوله تعالى: { أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } [ آل عمران: 165 ] أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان ، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق ، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم . الثاني: أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة . الثالث: أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث إنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد المناسبة لما قبله ، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين الى ما يفيدهم قوة في القلب ، وفرحا في النفس ، فبشرهم الله تعالى بذلك ، فأما قوله: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ففيه وجوه: الأول: وأنتم الأعلون إن بقيتم على إيمانكم ، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل بإعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الإسلام . الثاني: وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة . والثالث: التقدير: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ، فان الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين ، فان كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها ، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم .
واعلم أن هذا من تمام قوله: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } [ آل عمران: 139 ] فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { قُرْحٌ } بضم القاف وكذلك قوله: { مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } [ آل عمران: 172 ] والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد ، وهما لغتان: كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني: أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث: أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . والرابع: وهو قول الفرّاء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . والخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة .
المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى: { أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } [ آل عمران: 165 ] والثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار .
فان قيل كيف قال: { قَرْحٌ مّثْلُهُ } وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى .
ثم قال تعالى: { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: { تِلْكَ } مبتدأ { والأيام } صفة و { نداولها } خبره ويجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد ، فقوله: { تِلْكَ الأيام } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال .