المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى: { كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ } [ الحشر: 7 ] أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبًا ، ويقال: الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم الى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها .
واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبًا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه . والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الإحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال: ان كان كما تزعمون ، فقد خبنا إذن وخسرنا .
{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } ففيه مسائل .
المسألة الأولى: اللام في قوله: { وَلِيَعْلَمَ الله } متعلق بفعل مضمر ، اما بعده أو قبله ، أما الإضمار بعده فعلى تقدير وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة ، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور ، منها ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة .
المسألة الثانية: الواو في قوله: { وليعلم الله الذين آمنوا } نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى: { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام: 75 ] وقال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام: 113 ] والتقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم .
المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران: 142 ] وقوله: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } [ العنكبوت: 3 ] وقوله: { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } [ الكهف: 12 ] وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } [ محمد: 31 ] وقوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول } [ البقرة: 143 ] وقوله { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [ هود: 7 ، الملك: 2 ] وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها .
أجاب المتكلمون عنه: بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم .