فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 1236

إذا عرفت هذا ، فنقول: في هذه الآية وجوه: أحدها: ليظهر الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني: ليعلم أولياء الله ، فأضاف الى نفسه تفخيما . وثالثها: ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها: ليعلم ذلك واقعًا منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد .

المسألة الرابعة: العلم قد يكون بحيث يكتفى فيه بمفعول واحد ، كما يقال: علمت زيدًا ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال: علمت زيدًا كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام ، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا .

أما قوله: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية . والثاني: المراد منه وليكرم قومًا بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] وقال: { وَجِىء بالنبيين والشهداء } [ الزمر: 69 ] وقال: { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [ النساء: 69 ] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوبًا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبًا لله تعالى ، وأيضًا فقوله: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .

المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيدًا ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى: { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة: 143 ] الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله: { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا } [ نوح: 25 ] فكذا ههنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة .

ثم قال تعالى: { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي المشركين ، لقوله تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه: الأول: والله لا يحب من لا يكون ثابتًا على الإيمان صابرًا على الجهاد . الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت