فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 1236

قوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ } . أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء . { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي في التبرّؤ من الكفار . وقيل: كرّر للتأكيد . وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة؛ وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه . { وَمَن يَتَوَلَّ } أي عن الإسلام وقبول هذه المواعظ { فَإِنَّ الله هُوَ الغني } أي لم يتعبّدهم لحاجته إليهم . { الحميد } في نفسه وصفاته . ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين؛ فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً } وهذا بأن يُسلم الكافر . وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون؛ كأبي سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وسُهيل بن عمرو ، وحكيم بن حِزام . وقيل: المودّة تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَّ حَبيبة بنت أبي سفيان؛ فلانت عند ذلك عَرِيكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة . قال ابن عباس: كانت المودّة بعد الفتح تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ وكانت تحت عبد الله بن جَحْش ، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة . فأمّا زوجها فتنصّر وسألها أن تتابعه على دينه فأبت وصبرت على دينها ، ومات زوجها على النصرانية . فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها؛ فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص . قال فزوِّجْها من نبيّكم . ففعل؛ وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار . وقيل: خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عَفّان ، فلما زوّجه إياها بعث إلى النجاشي فيها؛ فساق عنه المهر وبعث بها إليه . فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم ابنته: ذلك الفَحْلُ لا يُقْدَع أنْفُه . «يقدع» بالدال غير المعجمة؛ يقال: هذا فحل لا يقدع أنفه؛ أي لا يضرب أنفه . وذلك إذا كان كريمًا .

وقال الرازي (1) :

اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به ، يقال: هو أسوتك ، أي أنت مثله وهو مثلك ، وجمع الأسوة أسى ، فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به ، قال المفسرون أخبر الله تعالى أن إبراهيم وأصحابه تبرءوا من قومهم وعادوهم ، وقالوا لهم: { إِنَاْ بُرآء مِنكُمْ } ، وأمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأنسوا بهم وبقوله ، قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهله في قوله تعالى: { إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ } وقوله تعالى: { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وهو مشرك وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين ، وقال مجاهد وقتادة: ائتسوا بأمر إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه ، وقيل: تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم ، لا في الاستغفار لأبيه ، وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره ، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شيء فعله ، إلا في قوله لأبيه: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقوله تعالى: { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له: ما أغنى عنك شيئًا ، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به ، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام ، وقال ابن عباس: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } الآية ، أي في جميع أمورنا { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك ، وفي الآية مباحث:

الأول: لقائل أن يقول: { حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ } ما الفائدة في قوله: { وَحْدَهُ } والإيمان به وبغيره من اللوازم ، كما قال تعالى: { كُلٌّ ءَامَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } [ البقرة: 285 ] فنقول: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان بالله وحده ، إذ المراد من قوله: { وَحْدَهُ } هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره ، لا يكون إيمانًا بالله ، إذ هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمنًا .

الثاني: قوله تعالى: { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم } استثناء من أي شيء هو ، نقول: من قوله: { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ، ويتخذوه سنة يستنون بها .

(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 321)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت