الثالث: إن كان قوله: { لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } مستثنى من القول الذي سبق وهو: { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فما بال قوله: { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } وهو غير حقيق بالاستثناء ، ألا ترى إلى قوله تعالى: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئًا } [ الفتح: 11 ] نقول: أراد الله تعالى استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له ، كأنه قال: أنا استغفر لك ، وما وسعي إلا الاستغفار .
الرابع: إذا قيل: بم اتصل قوله: { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } نقول: بما قبل الاستثناء ، وهو من جملة الأسوة الحسنة ، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليمًا للمؤمنين وتتميمًا لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة ، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيهًا على الإنابة إلى حضرة الله تعالى ، والاستعاذة به .
الخامس: إذا قيل: ما الفائدة في هذا الترتيب؟ فنقول: فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو ، والظاهر من تلك الجملة أن يقال: التوكل لأجل الإفادة ، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى: { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا } [ الطلاق: 2 ] والتقوى الإنابة ، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور ، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا ، فكأنه ذكر الشيء ، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم لإفادة ذلك كما ينبغي ، والقراءة في { بُرَاء } على أربعة أوجه: برآء كشركاء ، وبراء كظراف ، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال ، وبراء على الوصف بالمصدر والبراء والبراءة ، مثل الطماء والطماءة .
قوله: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } من دعاء إبراهيم . قال ابن عباس: لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق ، وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ، وقيل: لا تبسط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ، وقيل: قوله { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } ، أي عذابًا أي سببًا يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم . وقوله تعالى: { واغفر لَنَا رَبَّنَا } الآية ، من جملة ما مر ، فكأنه قيل: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدًا للكلام ، فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي في إبراهيم والذين معه ، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه ، قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله ، وقوله تعالى: { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله } بدل من قوله: { لَكُمْ } وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة ، { وَمَن يَتَوَلَّ } أي يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى مودة الكفار { فَإِنَّ الله هُوَ الغنى } عن مخالفة أعدائه { الحميد } إلى أوليائه . أما قوله: { عَسَى الله } فقال مقاتل: لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل الله تعالى قوله: { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم } أي من كفار مكة { مَّوَدَّةَ } وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم . وقيل: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة ، وكانت أم حبيبة قد أسلمت ، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة ، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت ، وصبرت على دينها ، ومات زوجها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فخطبها عليه ، وساق عنه إليها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يفدغ أنفه ، و { عَسَى } وعد من الله تعالى: { وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } يريد نفرًا من قريش آمنوا بعد فتح مكة ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وأبو سفيان بن الحرث ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، والله تعالى قادر على تقليب القلوب ، وتغيير الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة ، { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بهم إذا تابوا وأسلموا ، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى ، قال بعضهم: لا تهجروا كل الهجر ، فإن الله مطلع على الخفيات والسرائر . ويروى: أحبب حبيبك هونًا ما ، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما .
ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } إذا كان تأويله: لا تسلط علينا أعداءنا مثلًا ، فلم ترك هذا ، وأتى بذلك؟ فنقول: إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا ، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا وذلك ، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات .