فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 1236

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه فقال: { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير } .

أى: يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول توبتنا ، وإليك لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا .

{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون ، أى: المعذب ، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها .

أى: يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده ، كما قال - تعالى -: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات . . } أى: عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم .

ويصح أن يكون المعنى: يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، بأن تعذبنا بأيديهم ، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق ، ونحن على الباطل ، ويزعموا أننا لو كنا على الحق ما انتصروا علينا .

ولبعض العلماء رأى آخر في فهم هذه الآية ، وهو أن المراد بالفتنة هنا: اضطراب حال المسلمين وفساده . وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم في وجوه الخير . . . فيكون المعنى: يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة . فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا ، بحجة أنه لو كان دينا سليما ، لظهر أثر ذلك على أتباعه ، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر .

قال بعض العلماء ما ملخصه: قوله: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } . الفتنة: اضطراب الحال وفساده ، وهى اسم مصدر ، فتجىء بمعنى المصدر ، كقوله - تعالى -: { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } وتجىء وصفًا للمفتون والفاتن .

ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا: جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون .

ويصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا . أى: بسبب محبتهم والتقرب منهم .

وعلى الوجهين ، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول . . . واللام فى"الذين كفروا"على الوجهين - أيضا - للملك ، أى: مفتونين مسخرين لهم .

ويجوز عندى أن تكون"فتنة"مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أى: لا تجعلنا فاتنين ، أى: سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى: لا تغلب الذين كفروا علينا ، واصرف عنا ما يكون من اختلال أمرنا ، وسوء الأحوال ، كى لا يكون شىء من ذلك فاتنا للذين كفروا .

.. أى: يزيدهم كفرا ، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق .

وقوله: { واغفر لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } أى: واغفر لنا يا ربنا ذنوبنا ، إنك أنت الغالب الذى لا يغالب ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله .

وقوله - سبحانه -: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر } تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ } والغرض من هذا التأكيد ، تحريض المؤمنين على التأسى بالسابقين في قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم .

أى: لقد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وقدوة طيبة ، في أبيكم إبراهيم - عليه السلام - وفيمن آمن به ، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء الله - تعالى - ورضاه ، ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب .

وجىء بلام القسم في قوله: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ . . . } على سبيل المبالغة في التأكيد بوجوب التأسى بإبراهيم ، وبمن آمن معه .

وجملة { لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر } بدل من قوله { لَكُمْ } بدل اشتمال .

وفائدة هذا البدل: الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، لا يترك الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - وبمن آمن معه ، وأن ترك ذلك من علامات عدم الإيمان الحق .

كما ينبىء عنه التحذير في قوله - تعالى - بعد ذلك: { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد } .

أى: ومن يعرض عن هذا التأسى ، فوبال إعراضه عليه وحده ، فإن الله - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه ، الحميد لمن يمتثل أمره .

والمتدبر في هذه الآيات الكريمة ، من أول السورة إلى هنا ، يجد أن الله - تعالى - لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه ، إلا أظهرها وكشف عنها .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

{ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا } .

صدر هذه الآية يفيد تأكيدا لمضمون جملة { إن يثقفوكم } [ الممتحنة: 2 ] وجملة { لن تنفعكم أرحامكم } [ الممتحنة: 3 ] ، لأنها بما تضمنته من أن الموجه إليهم التوبيخ خالفوا الأسوة الحسنة تقوي إثبات الخطأ المستوجب للتوبيخ .

ذلك أنه بعد الفراغ من بيان خطأ من يوالي عدو الله بما يجر إلى أصحابه من مضار في الدنيا وفي الآخرة تحذيرا لهم من ذلك ، انتقل إلى تمثيل الحالة الصالحة بمثال من فعل أهل الإيمان الصادق والاستقامة القويمة وناهيك بها أسوة .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 15 / ص 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت