فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 1236

وافتتاح الكلام بكلمتي { قد كانت } لتأكيد الخبر ، فإن { قد } مع فعل الكون يراد بهما التعريض بالإنكار على المخاطب ولومه في الإعراض عن العمل بما تضمنه الخبر كقول عمر لابن عباس يوم طعنه غلام المغيرة: «قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر هؤلاء الأعلاج بالمدينة» ، ومنه قوله تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك } [ ق: 22 ] توبيخا على ما كان منهم في الدنيا من إنكار للبعث ، وقوله تعالى: { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } [ القلم: 43 ] وقوله: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } [ الأحزاب: 21 ] .

ويتعلق { لكم } بفعل «كان» ، أو هو ظرف مستقر وقع موقع الحال من { أسوة حسنة } . l

وإبراهيم عليه السلام مثل في اليقين بالله والغضب به ، عرف ذلك العرب واليهود والنصارى من الأمم ، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين والأراميين ، ولعله بلغ إلى الهند . وقد قيل: إن اسم ( برهما ) معبود البراهة من الهنود محرف عن ( اسم إبراهيم ) وهو احتمال .

وعطف { والذين معه } ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه ، أي أن يكون المسلمون تابعين لرضى رسولهم صلى الله عليه وسلم كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام .

والمراد ب { الذين معه } الذين آمنوا به واتبعوا هديه وهم زوجه سارة وابن أخيه لوط ولم يكن لإبراهيم أبناء ، فضمير { إذ قالوا } عائد إلى إبراهيم والذين معه فهم ثلاثة .

و { إذ } ظرف زمان بمعنى حين ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن .

والمراد بالزمن: الأحوال الكائنة فيه ، وهو ما تبينه الجملة المضاف إليها الظرف وهي جملة { قالوا لقومهم إنا برءآء منكم } الخ .

والإسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة التي يقتدى بها في فعل ما . فوصفت في الآية ب { حسنة } وصفا للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما بعده .

وقرأ الجمهور { إسوة } بكسر الهمزة ، وقرأه عاصم بضمها . وتقدمت في قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } في سورة [ الأحزاب: 21 ] .

وحرف في مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم أسوة حسنة ، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف .

ولذلك كان المعنى: قد كان لكم إبراهيم والذين معه أسوة في حين قولهم لقومهم . فليس قوله: { إسوة حسنة في إبراهيم } من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد العتابي .

وفي الرحمان للضعفاء كاف

لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم .

و { برءآء } بهمزتين بوزن فعلاء جمع بريء مثل كريم وكرماء .

وبريء فعيل بمعنى فاعل من برىء من شيء إذا خلا منه سواء بعد ملابسته أو بدون ملابسة .

والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم . . وعطف عليه { ومما تعبدون من دون الله } أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد برءآء من عبادتها .

وجملة { كفرنا بكم } وما عطف عليها بيان لمعنى جملة { إنا برءآء } .

وضمير { بكم } عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون الله ، ويفسر الكفر بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف ، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم .

وعطف عليه { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } وبدا معناه: ظهر ونشأ ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرة لا مواربة فيها ، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب . وهو أقصى ما يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليد لقلتهم وضعفهم بين قومهم .

و { العداوة } المعاملة بالسوء والاعتداء .

و { البغضاء } : نفرة النفس ، والكراهية وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا ، فذكرهما معا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم: حالة المعاملة بالعدوان ، وحالة النفرة والكراهية ، أي نسيء معاملتكم ونضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك .

والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله ، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس ، فالمؤتسى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة ، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية .

{ وحده إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من } .

الأظهر أن هذه الجملة معترضة بين جمل حكاية مقال إبراهيم والذين معه وجملة { لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة } [ الممتحنة: 6 ] ، والاستثناء منقطع إذ ليس هذا القول من جنس قولهم: { إنا برءآء منكم } الخ ، فإن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك رفق بأبيه وهو يغاير التبرؤ منه ، فكان الاستثناء في معنى الاستدراك عن قوله: { إذ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم } الشامل لمقالة إبراهيم معهم لاختلاف جنسي القولين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت