قال في «الكشاف» في قوله تعالى: { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط } في سورة [ الحجر: 58 ، 59 ] . أنه استثناء منقطع من قوم لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان ا ه .
فجعل اختلاف جنسي المستثنى والمستثنى منه موجبا اعتبار الاستثناء منقطعا . وفائدة الاستدراك هنا التعريض بخطأ حاطب ابن أبي بلتعة ، أي إن كنتم معتذرين فليكن عذركم في مواصلة أعداء الله بأن تودوا لهم مغفرة كفرهم باستدعاء سبب المغفرة وهو أن يهديهم الله إلى الدين الحق كما قال إبراهيم لأبيه { لأستغفرن لك } ، ولا يكون ذلك بمصانعة لا يفهمون منها أنهم منكم بمحل المودة والعناية فيزدادوا تعنتا في كفرهم .
وحكاية قول إبراهيم لأبيه { وما أملك لك من الله من شيء } إكمال لجملة ما قاله إبراهيم لأبيه وإن كان المقصود من الاستثناء مجرد وعده بالاستغفار له فبني عليه ما هو من بقية كلامه لما فيه من الدلالة على أن الاستغفار له قد لا يقبله الله .
والواو في { وما أملك لك من الله من شيء } يجوز أن تكون للحال أو للعطف . والمعنى متقارب ، ومعنى الحال أوضح وهو تذييل .
ومعنى الملك في قوله: { وما أملك } القدرة ، وتقدم في قوله تعالى: { قل فمن يملك من الله شيئا } في سورة [ العقود: 17 ] .
ومن شيء عام للمغفرة المسؤولة وغيرها مما يريده الله به .
{ ه4س60ش4ن45/ن51--شىء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك } .
الأظهر أن يكون هذا من كلام إبراهيم وقومه وجملة { إلا قول إبراهيم } إلى آخرها معترضة بين أجزاء القول فهو مما أمر المسلمون أن يأتسوا به ، وبه يكون الكلام شديد الاتصال مع قوله: { لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة } [ الممتحنة: 6 ] .
ويحتمل أن يكون تعليما للمؤمنين أن يقولوا هذا الكلام ويستحضروا معانيه ليجري عملهم بمقتضاه فهو على تقدير أمر بقول محذوف والمقصود من القول العمل بالقول فإن الكلام يجدد المعنى في نفس المتكلم به ويذكر السامع من غفلته . وهذا تتميم لما أوصاهم به من مقاطعة الكفار بعد التحريض على الائتساء بإبراهيم ومن معه .
فعلى المعنى الأول يكون حكاية لما قاله إبراهيم وقومه بما يفيد حاصل معانيه فقد يكون هو معنى ما حكاه الله عن إبراهيم من قوله: { الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } [ الشعراء: 78 82 ] .
فإن التوكل على الله في أمور الحياة بسؤاله النجاح في ما يصلح أعمال العبد في مساعيه وأعظمه النجاح في دينه وما فيه قوام عيشه ثم ما فيه دفع الضر . وقد جمعها قول إبراهيم هناك { فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين } . وهذا جمعه قوله هنا { عليك توكلنا } { والذي يميتني ثم يحيين } جمعه قوله: { وإليك المصير } فإن المصير مصيرانن مصير بعد الحياة ومصير بعد البعث .
وقوله: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } فإن وسيلة الطمع هي التوبة وقد تضمنها قوله: { وإليك أنبنا } .
وعلى المعنى الثاني هو تعليم للمؤمنين أن يصرفوا توجههم إلى الله بإرضائه ولا يلتفتوا إلى ما لا يرضاه وإن حسبوا أنهم ينتفعون به فإن رضى الله مقدم على ما دونه .
والقول في معنى التوكل تقدم عند قوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } في سورة [ آل عمران: 159 ] .
والإنابة: التوبة ، وتقدمت عند قوله تعالى: { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } في سورة [ هود: 75 ] ، وعند قوله: { منيبين إليه } في سورة [ الروم: 31 ] .
وتقديم المجرور على هذه الأفعال لإفادة القصر ، وهو قصر بعضه ادعائي وبعضه حقيقي كما تصرف إليه القرينة .
وإعادة النداء بقولهم: ربنا إظهار للتضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث .
{ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم } .
الفتنة: اضطراب الحال وفساده ، وهي اسم مصدر فتجيء بمعنى المصدر كقوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل } [ البقرة: 191 ] وتجيء وصفا للمفتون والفاتن .
ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا: جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون كما قال تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين } [ البروج: 10 ] الخ . ويصدق أيضا بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا ، أي بمحبتهم والتقرب منهم كقوله تعالى حكاية عن دعاء موسى { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء } [ الأعراف: 155 ] .
وعلى الوجهين فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول . وتقدم في قوله تعالى: { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } في سورة [ يونس: 85 ] .
واللام في للذين كفروا على الوجهين للملك ، أي مفتونين مسخرين لهم .