ويجوز عندي أن تكون { فتنة } مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أي لا تجعلنا فاتنين ، أي سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى لا تغلب الذين كفروا علينا واصرف عنا ما يكون به اختلال أمرنا وسوء الأحوال كيلا يكون شيء من ذلك فاتنا الذين كفروا ، أي مقويا فتنتهم فيفتتنوا في دينهم ، أي يزدادوا كفرا وهو فتنة في الدين ، أي فيظنوا أنا على الباطل وأنهم على الحق ، وقد تطلق الفتنة على ما يفضي إلى غرور في الدين كما في قوله تعالى: { بل هي فتنة } في سورة [ الزمر: 49 ] وقوله: { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } في سورة [ الأنبياء: 111 ] .
واللام على هذا الوجه لام التبليغ وهذه معان جمة أفادتها الآية .
كفروا واغفر لنا .
أعقبوا دعواتهم التي تعود إلى إصلاح دينهم في الحياة الدنيا بطلب ما يصلح أمورهم في الحياة الآخرة وما يوجب رضى الله عنهم في الدنيا فإن رضاه يفضي إلى عنايته بهم بتسيير أمورهم في الحياتين . وللإشعار بالمغايرة بين الدعوتين عطفت هذه الواو ولم تعطف التي قبلها .
{ ربنآ إنك أنت العزيز } .
تعليل للدعوات كلها فإن التوكل والإنابة والمصير تناسب صفة { العزيز } إذ مثله يعامل بمثل ذلك ، وطلب أن لا يجعلهم فتنة باختلاف معانيه يناسب صفة { الحكيم } ، وكذلك طلب المغفرة لأنهم لما ابتهلوا إليه أن لا يجعلهم فتنة الكافرين وأن يغفر لهم رأوا أن حكمته تناسبها إجابة دعائهم لما فيه من صلاحهم وقد جاؤوا سائلينه .
تكرير قوله آنفا { قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم } [ الممتحنة: 4 ] الخ ، أعيد لتأكيد التحريض والحث على عدم إضاعة الائتساء بهم ، وليبنى عليه قوله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر الخ .
وقرن هذا التأكيد بلام القسم مبالغة في التأكيد . وإنما لم تتصل بفعل { كان } تاء تأنيث مع أن اسمها مؤنث اللفظ لأن تأنيث أسوة غير حقيقي ، ولوقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه بالجار والمجرور .
والإسوة هي التي تقدم ذكرها واختلاف القراء في همزتها في قوله: { قد كانت لكم إسوة حسنة } .
وقوله: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من ضمير الخطاب في قوله: { لكم } وهو شامل لجميع المخاطبين ، لأن المخاطبين بضمير { لكم } المؤمنون في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } [ الممتحنة: 1 ] فليس ذكر { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } تخصيصا لبعض المؤمنين ولكنه ذكر للتذكير بأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي تأسيهم بالمؤمنين السابقين وهم إبراهيم والذين معه .
وأعيد حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد أن الإيمان يستلزم ذلك .
والقصد هو زيادة الحث على الائتساء بإبراهيم ومن معه ، وليرتب عليه قوله: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ، وهذا تحذير من العود لما نهوا عنه .
ففعل { يتول } مضارع تولى ، فيجوز أن يكون ماضيه بمعنى الإعراض ، أي من لا يرجو الله واليوم الآخر ويعرض عن نهي الله فإن الله غني عن امتثاله . ويجوز عندي أن يكون ماضيه من التولي بمعنى اتخاذ الولي ، أي من يتخذ عدو الله أولياء فإن الله غني عن ولايته كما في قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } في سورة [ العقود: 51 ] .
وضمير الفصل في قوله: هو الغني توكيد للحصر الذي أفاده تعريف الجزأين ، وهو حصر ادعائي لعدم الاعتداد بغنى غيره ولا بحمده ، أي هو الغني عن المتولين لأن النهي عما نهوا عنه إنما هو لفائدتهم لا يفيد الله شيئا فهو الغني عن كل شيء .
وإتباع { الغني } بوصف { الحميد } تتميم ، أي الحميد لمن يمتثل أمره ولا يعرض عنه أو { الحميد } لمن لا يتخذ عدوه وليا على نحو قوله تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } [ الزمر: 7 ] .
وقال السيد رحمه الله (1) :
ينظر المسلم فإذا له نسب عريق , وماض طويل , وأسوة ممتدة على آماد الزمان . وإذا هو راجع إلى إبراهيم , لا في عقيدته فحسب , بل في تجاربه التي عاناها كذلك . فيشعر أن له رصيدا من التجارب أكبر من رصيده الشخصي وأكبر من رصيد جيله الذي يعيش فيه . إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزمان من المؤمنين بدين الله , الواقفين تحت راية الله , قد مرت بمثل ما يمر به , وقد انتهت في تجربتها إلى قرار اتخذته . فليس الأمر جديدا ولا مبتدعا ولا تكليفا يشق على المؤمنين . . ثم إن له لأمة طويلة عريضة يلتقي معها في العقيدة ويرجع إليها , إذا انبتت الروابط بينه وبين أعداء عقيدته . فهو فرع من شجرة ضخمة باسقة عميقة الجذور كثيرة الفروع وارفة الظلال . . الشجرة التي غرسها أول المسلمين . . إبراهيم . .
مر إبراهيم والذين معه بالتجربة التي يعانيها المسلمون المهاجرون . وفيهم أسوة حسنة: (إذ قالوا لقومهم:إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله , كفرنا بكم , وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 472)