فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1236

لقد كان لهم في القرآن ذاته برهان أصدق من هذه البراهين المادية التي يطلبون . فإن هذا القرآن شاهد بذاته , بتعبيره ثم بمحتوى هذا التعبير , على أنه من عند الله . . وهم لم يكونوا يجحدون الله . . وهم - على وجه التأكيد - كانوا يحسون ذلك ويعرفونه . . كانوا يعرفون بحسهم اللغوي الأدبي الفني مدى الطاقة البشرية ; ويعرفون أن هذا القرآن فوق هذا المدى - وهذا الإحساس يعرفه من يمارس فن القول ويتذوقه أكثر مما يعرفه من ليست له هذه الممارسة . وكل من مارس فن القول يدرك إدراكا واضحا أن هذا القرآن فوق ما يملك البشر أن يبلغوا ; لا ينكر هذا إلا معاند يجد الحق في نفسه ثم يخفيه ! كما أن المحتوى القرآني من التصور الاعتقاديوالمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري , ونوع المؤثرات واللمسات الموحية . . كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية , والطرائق البشرية في الإداء النفسي والتعبيري أيضا . . والعرب لم يكن يخفي عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم . وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند الله . .

إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد صلى الله عليه وسلم فلقد عرفوه صادقا أمينا , ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة , كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته , وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر , ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله . .

ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق , ويرفضون الدخول في الدين الجديد ! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لأن في دعوته خطرا على نفوذهم ومكانتهم . . وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات الله , والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه . .

والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة:

قال ابن اسحاق:حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:أنه حدث , أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي , حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه . وكل لا يعلم بمكان صاحبة . فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الصبح تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له . حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود . فتعاهدوا على ذلك . . ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه في بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:ماذا سمعت ? قال:تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولانصدقه ! قال:فقام عنه الأخنس وتركه . .

وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قوله: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . . لما كان يوم بدر , قال الأخنس بن شريق لبني زهرة:يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم , فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته , فإن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم , وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته . قفوا حتى ألقى أبا الحكم , فإن غلب محمد رجعتم سالمين , وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل , فخلا به , فقال:يا أبا الحكم أخبرني عن محمد:أصادق هو أم كاذب ? فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ! فقال أبو جهل:ويحك ! والله إن محمدا لصادق , وما كذب محمد قط , ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة , فماذا يكون لسائر قريش ? فذلك قوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت