ونلاحظ:أن السورة مكية , وهذه الآية مكية لا شك في ذلك ; بينما الحادثة المذكورة كانت في المدينة يوم بدر . . ولكن إذا عرفنا أنهم كانوا يقولون أحيانا عن آية ما:"فذلك قوله:كذا . ."ويقرنون إليها حادثا ما لا للنص على أنها نزلت بسبب الحادث الذي يذكرونه ; ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث , بغض النظر عما إذا كان سابقا أو لاحقا . . فإننا لا نستغرب هذه الرواية . .
وقال ابن إسحاق:حدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش , ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها , فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه , ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون - فقالوا:بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا ابن أخي . . إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة , والمكان في النسب . وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قل:يا أبا الوليد أسمع"قال:يا ابن أخي , إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا , وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع امرا دونك , وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء , وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . . أو كما قال . . حتى إذا فرغ عتبة , ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه - قال:"أفرغت يا أبا الوليد ?"قال:نعم . قال:"فاستمع مني". قال:أفعل . قال:بسم الله الرحمن الرحيم (حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . . .) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرؤها عليه . فلما سمع عتبة أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره , معتمدا عليهما , يستمع منه , حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد . ثم قال:"قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت , فأنت وذاك". . فقام عتبة إلى أصحابة . فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليدبغير الوجه الذي ذهب به ! فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد ? قال:ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالسحر , ولا بالشعر , ولا بالكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي . . خلوا بين الرجل وما هو فيه , فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ , فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم , وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به . . قالوا:سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ! قال:هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم !
وقد روى البغوي في تفسيره حديثا - بإسناده - عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى في قراءته إلى قوله: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) . . فأمسك عتبة على فيه , وناشده الرحم , ورجع إلى أهله , ولم يخرج إلى قريش , واحتبس عنهم . . . إلى آخره . . . ثم لما حدثوه في هذا قال:فأمسكت بفيه , وناشدته الرحم أن يكف . وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخشيت أن ينزل بكم العذاب . .
وقال ابن اسحاق:إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم . فقال لهم:يا معشر قريش , إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فاجمعوا فيه رأيا واحدا , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا , ويرد قولكم بعضه بعضا . قالوا:فأنت يا أبا عبد شمس فقل , وأقم لنا رأيا نقل به . قال:بل أنتم فقولوا:أسمع . قالوا:نقول:كاهن ! قال:لا والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكهان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ! قالوا:فنقول:مجنون ! قال:ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ! قالوا:فنقول:شاعر ! قال:ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر ! قالوا:فنقول:ساحر ! قال:ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم ! قالوا:فما نقول يا أبا عبد الشمس ? قال:والله إن لقوله لحلاوة ,