فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 1236

وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة , وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ! وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:هو ساحر , جاء بقول هو سحر , يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجته , وبين المرء وعشيرته . . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا له أمره !

وقال ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى , حدثنا محمد بن ثورة , عن معمر , عن عبادة بن منصور , عن عكرمة:أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن , فكأنه رق له . فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام . فأتاه فقال له:أي عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ! قال:لم ? قال:يعطونكه , فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله ! [ يريد الخبيث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أنه أشد بها اعتزازا ! ] قال:قد علمت قريش أني أكثرها مالا ! قال:فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال , وأنك كاره له ! قال:فماذا أقول فيه ? فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني , ولا أعلم برجزه ولا بقصيده , ولا بأشعار الجن ! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة , وإن عليه لطلاوة , وإنه ليحطم ما تحته , وإنه ليعلو وما يعلى . قال:والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه . . قال:فدعني حتى أفكر فيه . . فلما فكر قال:إن هذا إلا سحر يؤثر . يؤثره عن غيره .فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا . .) حتى بلغ: (عليها تسعة عشر) .

وفي رواية أخرى أن قريشا قالت:لئن صبأ الوليد لتصبون قريش كلها ! فقال أبو جهل:أنا أكفيكموه ! ثم دخل عليه . . وأنه قال - بعد التفكير الطويل - إنه سحر يؤثر . أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه .

فهذه الروايات كلها تبين أن هؤلاء المكذبين لم يكونوا يعتقدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكذبهم فيما يبلغه لهم . وإنما هم كانوا مصرين على شركهم لمثل هذه الأسباب التي وردت بها الروايات , وما وراءها من السبب الرئيسي , وهو ما يتوقعونه من وراء هذه الدعوة من سلب السلطان المغتصب , الذي يزاولونه , وهو سلطان الله وحده . كما هو مدلول شهادة أن لا إله إله إلا الله التي يقوم عليها الإسلام . وهم كانوا يعرفون جيدا مدلولات لغتهم ; وكانوا لا يريدون أن يسلموا بمدلول هذه الشهادة . وهو إنما يمثل ثورة كاملة على كل سلطان غير سلطان الله في حياة العباد . . وصدق الله العظيم:

(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . .

والظالمون في هذا الموضع هم المشركون . كما يغلب في التعبير القرآني الكريم .

ويستطرد من تطييب خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان الأسباب الحقيقية لموقف المكذبين منه ومن دعوته , ومن آيات الله الناطقة بصدقه وصدق ما جاء به . . يستطرد من هذا إلى تذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله - وقد جاءه من أخبارهم في هذا القرآن - ثم ما كان منهم من الصبر والمضي في الطريق , حتى جاءهم نصر الله . ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل , ولا يغير منها اقتراحات المقترحين , كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق:

(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين) . .

إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم , ضارب في شعاب الزمن , ماض في الطريق اللاحب , ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطي , ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل , ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون , ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة , وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة , مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق:

(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين) . .

كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله صلى الله عليه وسلم . . كلمات للذكرى , وللتسرية وللمواساة , والتأسية . . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقهم واضحا , ودورهم محددا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت