فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 1236

وفي بعض الآثار أن الأرض كان سعتها ميلًا في ميل وقد امتلأت من الحيات والأفاعي ، ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق ولونوها وجعلوا داخل العصى زئبقًا أيضًا وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات . واستدل بالآية من قال كالمعتزلة إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد تخييل ، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم والآية تدل عليه وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه ، والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له ومنه ما له حقيقة كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسحر يهود خيبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين ذهب ليخرص تمرهم .

وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشيء على الماء والطيران في الهواء ونحو ذلك ، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل والري على الشرب والإحراق على النار ، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى . نعم قال القرطبي: أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله تعالى عنده إنزال الجراد والقمر والضفادع وفلق الحجر وقلب العصا وإحياء الموتى وانطاق العجماء وأمثال ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام . ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة ، وتعقب بأن الفرق مثل الصبح ظاهر . { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى } بواسطة الملك كما هو الظاهر { ءانٍ * ألقى * عَصَاكَ } التي علمت من أمرها ما علمت و { ءانٍ } تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه ، وجوز أن تكون مصدرية فالمصدر مفعول الإيماء ، والفاء في قوله سبحانه:

{ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الخ ، وإنما حذف للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن لقفها لما يأفكون قد حصل متصلًا بالأمر بالإلقاء ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الغريبة ، واللقف كاللقفان التناول بسرعة ، وفسره الحسن هنا بالسرط والبلع ، والإفك صرف الشيء وقلبه عن الوجه المعتاد ويطلق على الكذب وبذلك فسره ابن عباس . ومجاهد لكونه مقلوبًا عن وجهه واشتهر ذلك فهي حتى صار حقيقة ، و { مَا } موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويكذبونه أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي المأفوك لأنه المتلقف ، وقرأ الجمهور { تَلْقَفْ } بالتشديد وحذف إحدى التاءين . { فَوَقَعَ } أي ظهر وتبين كما قال الحسن . ومجاهد . والفراء { الحق } وهو أمر موسى عليه السلام ، وفسر بعضهم وقع بثبت على أنه قد استعير الوقع للثبوت والحصول أو للثبات والدوام لأنه في مقابل بطل والباطل زائل ، وفائدة الاستعارة كما قيل: الدلالة على التأثير لأن الوقع يستعمل في الأجسام ، وقيل: المراد من وقع الحق صيرورة العصاحية في الحقيقة وليس بشيء { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ظهر بطلان ما كانوا مستمرين على عمله { فَغُلِبُواْ } أي فرعون وقومه .

{ فَغُلِبُواْ } أي فرعون وقومه { هُنَالِكَ } أي في ذلك المجمع العظيم { وانقلبوا صاغرين } أي صاروا أذلاء أو رجعوا إلى المدينة كذلك فالانقلاب إما مجاز عن الصيرورة والمناسبة ظاهرة أو بمعنى الرجوع فصاغرين حال ورجح الأول بقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت