سبحانه: { وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعًا ، وجوز رجوع ضمير غلبوا { وانقلبوا } [ الأعراف: 119 ] على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضًا ، وتعقب بأنهم لا ذلة لهم؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه ، والمراد من { ألقى * السحرة } الخ أنهم خروا ساجدين ، وعبر بذلك دونه تنبيهًا على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك فكأن أحدًا دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه فالملقى هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه ، ويحتمل أن يكون الكلام جاريًا مجرى التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش ، وجوزأن يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم ، يروى أن الاجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها فتحت فاها ثمانين ذراعًا فابتلعت متا صنعوا واحدًا بعد واحد وقصدت الناس ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفًا ثم أخذها موسى عليه السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام العظام ، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجدًا ، والمتبادر من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته ، وقيل: إن موسى وهرون عليهما السلام سجدًا شكرًا لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما وسجدوا معهما ، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه .
{ قَالُواْ } استئناف .
وجوز أبو البقاء كونه حالًا من ضمير { انقلبوا } [ الأعراف: 119 ] وليس بشيء ، وقيل: هو حال من { السحرة } [ الأعراف: 120 ] أو من ضميرهم المستتر في { ساجدين } [ الأعراف: 120 ] أي أنهم ألقوا ساجدين حال كونهم قائلين { ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } أي مالك أمرهم والمتصرف فيهم .
{ رَبّ موسى وهارون } بدل مما قبل وإنما أبدلوا لئلا يتوهم أنهم أرادوا فرعون ولم يقتصروا على موسى عليه السلام إذ ربما يبقى للتوهم رائحة لأنه كان ربي موسى عليه السلام في صغره ، ولذا قدم هرون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سنًا منه ، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة ، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل: إنه لا يضر ، وروى أنهم لما قالوا: { آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِين } [ الأعراف: 121 ] قال فرعون: أنا رب العالمين فقالوا ردًا عليه: رب موسى وهرون ، وإضافة الرب إليهما كإضافته إلى العالمين ، وقيل: إن تلك الإضافة على معنى الاعتقاد أن الرب الذي يعتقد ربوبيته موسى وهرون ويكون عدم صدقه على فرعون بزعمه أيضًا ظاهرًا جدًا إلا أن ذلك خلاف الظاهر من الإضافة ، ويعلم مما قدمنا سر تقديم السجود على هذا القول .
وقال الخازن في ذلك: إن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان خروا سجدًا لله تعالى على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان ثم أظهروا بذلك إيمانهم ، وقيل: إنهم بادروا إلى السجود تعظيمًا لشأنه تعالى لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان ، ومن جعل الجملة حالا قال بالمقارنة فافهم ، وأول من بادر بالإيمان كما وري عن ابن إسحق الرؤساء الأربعة الذيت ذكرهم ابن الجوزي ثم اتبعتهم السحرة جميعًا .
{ قَالَ فِرْعَوْنُ } منكرًا على السحرة موبخًا لهم على ما فعلوه { ءامَنْتُمْ بِهِ } أي برب موسى وهرون أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى: { آمَنْتُمْ لَهُ } [ طه: 71 ] فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } [ طه: 71 ] الخ ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه ، وهنا لما خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبرًا لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع ، ويجوز أن تقدر فيه الهمزة بناء على اطراد ذلكوالاستفهام للانكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك ، ويؤيد ذلك قراءة حمزة . والكسائي . وأبي بكر عن عاصم . وروح عن يعقوب { أَءمِنتُمْ } بهمزتين محققتين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرىء به أيضًا .