فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 1236

ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر ; ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان ; ولا كيف تلمسها حرارة اليقين . فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - . . ومن ثم فوجىء فرعون بهذا الإيمان المفاجىء الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس ; ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر . . ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته:مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين . رب موسى وهارون . بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين ! . . والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة الطواغيت . . وكل جريمة يمكن أن يرتكبوها بلا تحرج في سبيل المحافظة على الطاغوت:

(قال فرعون:آمنتم به قبل أن آذن لكم ! إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها . فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ثم لأصلبنكم أجمعين) . .

هكذا . . (آمنتم به قبل أن آذن لكم !) . . كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق - وهم أنفسهم لاسلطان لهم عليها - أو يستأذنوه في أن ترتعش وجداناتهم - وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئًا - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم - وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها . أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق . أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار . أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين !

ولكنه الطاغوت جاهل غبي مطموس ; وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور !

ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز:

(إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها) . .

وفي نص آخر: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) !

والمسألة واضحة المعالم . . إنها دعوة موسى إلى (رب العالمين) . . هي التي تزعج وتخيف . . إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين . وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته . وإقامة أنفسهم أربابًا من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون , ويعبدون الناس لما يشرعون ! . . إنهما منهجان لا يجتمعان . . . أو هما دينان لا يجتمعان . . أو هما ربان لا يجتمعان . . وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون . . ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين . فأولى أن يفزعوا الأن وقد ألقي السحرة ساجدين . قالوا:آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون ! والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون , وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين !

وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع:

(فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ثم لأصلبنكم أجمعين) . .

إنه التعذيب والتشوية والتنكيل . . وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق , الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان . . وعدة الباطل في وجه الحق الصريح . .

ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان ; تستعلى على قوة الأرض , وتستهين ببأس الطغاة ; وتنتصر فيها العقيدة على الحياة , وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم . إنها لا تقف لتسأل:ماذا ستأخذ وماذا ستدع ? ماذا ستقبض وماذا ستدفع ? ماذا ستخسر وماذا ستكسب ? وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات ? . . لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك , فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق . . (قالوا:إنا إلى ربنا منقلبون . وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا . ربنا أفرغ علينا صبرًا , وتوفنا مسلمين) . .

إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع . كما أنه لا يخضع أو يخنع . الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها , ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره:

(قالوا:إنا إلى ربنا منقلبون) . .

والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت . . وأنها معركة العقيدة في الصميم . . لا يداهن ولا يناور . . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة , لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة:

(وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) . .

والذي يعرف أين يتجه في المعركة , وإلى من يتجه ; لا يطلب من خصمه السلامة والعافية , إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام:

(ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين) . .

ويقف الطغيان عاجزًا أمام الإيمان , وأمام الوعي , وأمام الاطمئنان . . يقف الطغيان عاجزًا أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب ! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام . فإذا هي مستعصية عليه , لأنها من أمر الله , لا يملك أمرها إلا الله . . وماذا يملك الطغيان إذارغبت القلوب في جوار الله ? وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله ? وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان !

إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية . هذا الذي كان بين فرعون وملئه , والمؤمنين من السحرة . . السابقين . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت