فهرس الكتاب
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار"الإنسان"على"الشيطان"!
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية . فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة . والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح . ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب .
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية ! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز , وتمنى بالقرب من السلطان . . هي ذاتها التي تستعلي على فرعون ; وتستهين بالتهديد والوعيد , وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب . وما تغير في حياتها شيء , ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى . وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت , وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد . . وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة , فيلتقط القلب إيقاعات القدرة , ويتسمع الضمير أصداء الهداية , وتتلقى البصيرة إشراقات النور . . وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي ; ولكنها هي تغير الواقع المادي ; وترفع"الإنسان"في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال !
ويذهب التهديد . . ويتلاشى الوعيد . . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت , ولا يتردد , ولا يحيد ! ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد . . إن روعة الموقف تبلغ ذروتها ; وتنتهي إلى غايتها . وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض ; مع الهدف النفسي للقصة , على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني , في تناسق لا يبلغه إلا القرآن .
ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ . . .
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين , رب موسى وهارون , يمثل خطرًا على نظام ملكهم وحكمهم ; لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان , مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان . . وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل . . ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها . . إنه لا يجتمع في قلب واحد , ولا في بلد واحد , ولا في نظام حكم واحد , أن يكون الله رب العالمين , وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد , يباشره بتشريع من عنده وقوانين . . فهذا دين وذلك دين . .
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم , وجعل لهم فرقانًا في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ; وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين .فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ; ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون . . أو بتعبير آخر مرادف:من ربوبية فرعون , ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله . . وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده . فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله . . إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ; وأن عدوهم على دين غير دينهم ; لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين . . فهو إذن من الكافرين . . وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه:أنهم هم المؤمنون , وأن أعداءهم هم الكافرون , وأنهم إنما يحاربونهم على الدين , ولا ينقمون منهم إلا الدين .
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار"الإنسان"على الشيطان . وهو مشهد بالغ الروعة . . نعترف أننا نعجز عن القول فيه . فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !
الدرس الخامس:127 فرعون يهدد المؤمنين بالعذاب
ثم نعود إلى سياق القصة القرآني . . حيث يرفع الستار عن مشهد رابع جديد . . إنه مشهد التآمر والتناجي بالإثم والتحريض . بعد الهزيمة والخذلان في معركة الإيمان والطغيان . مشهد الملأ من قوم فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجيًا والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم . كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم , وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه ; ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم ; من ضياع الهيبة والسلطان ; باستشراء العقيدة الجديدة , في ربوبية الله للعالمين . فإذا هو هائج مائج , مهدد متوعد , مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه , وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه !
(وقال الملأ من قوم فرعون:أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ? قال:سنقتل أبناءهم , ونستحيي نساءهم , وإنا فوقهم قاهرون) . .