فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 1236

وأنت تعلم أن التعليل الذي ذكره الزمخشري إلى ما اختاره صاحب الكشف أقرب . وبالجملة لا بد من تأويل كلام صاحب الكشاف فإنه أجل من أن يريد ظاهره الذي يريد عليه ما أورده أبو حيان ، وفي سجود السحرة وتسليمهم دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئًا لا حقيقة له لأن السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه السلام ومن أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عندهم منه ولم يأتوا إلا بتمويه وتزويق كذا قيل . والتحقيق أن ذلك هو الغالب في السحر لا أن كل سحر كذلك .

وقول القزويني: إن دعوى أن في السحر تبديل صورة حقيقة من خرافات العوام وأسمار النسوة فإن ذلك مما لا يمكن في سحر أبدًا لا يخلو عن مجازفة ، واستدل بذلك أيضًا على أن التبحر في كل علم نافع فإن أولئك السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقية ما أتى به موسى عليه السلام وأنه معجزة فانتفعوا بزيادة علمهم لأنه أداهم إلى الاعتراف بالحق والإيمان لفرقهم بين المعجزة والسحر .

وتعقب بأن هذا إنما يثبت حكما جزئيًا كما لا يخفى ، وذكر بعض الأجلة أنهم إنما عرفوا حقية ذلك بعد أن أخذ موسى عليه السلام العصا فعادت كما كانت وذلك أنهم لم يروا لحبالهم وعصيهم بعد أثرًا ، وقالوا: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا؛ ولعلها على هذا صارت أجزاء هبائية وتفرقت أو عدمت لانطاع تعلق الإرادة بوجودها . وقال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب السادس عشر والباب الأربعين من الفتوحات: إن العصا لم تلقف إلا صور الحيات من الحبال والعصى وأما هي فقد بقيت ولم تعدم كما توهمه بعض المفسرين ويدل عليه قوله تعالى: { تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } [ طه: 69 ] وهو لم يصنعوا إلا الصور ولولا ذلك لوقعت الشبهة للسحرة في عصا موسى عليه السلام فلم يؤمنوا انتهى ملخصًا فتأمل .

بدل اشتمال من { ألقى } [ الشعراء: 46 ] لما بين الإلقاء المذكور وهذا القول من الملابسة أو حال بإضمار قد أو بدونه ، ويحتمل أن يكون استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: { قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } .

{ رَبّ موسى وهارون } عطف بيان لرب العالمين أو بدل منه جيء به لدفع توهم إرادة فرعون حيث كان قومه الجهلة يسمونه بذلك وللاشعار بأن الموجب لإيمانهم به تعالى ما أجراه سبحانه على أيديهما من المعجزة القاهرة . ومعنى كونه تعالى ربهما أنه جل وعلا خالقهما ومالك أمرهما .

وجوز أن يكون إضافة الرب إليهما باعتبار وصفهما له سبحانه بما تقدم من قول موسى عليه السلام: { رَبّ * السموات والارض * وَمَا بَيْنَهُمَا } [ الشعراء: 24 ] وقوله: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاولين } [ الشعراء: 26 ] وقوله: { رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا } [ الشعراء: 28 ] فكأنهم قالوا: ءامنا برب العالمين الذي وصفه موسى هارون ، ولا يخفى ما فيه وإن سلم سماعهم للوصف المذكور بعد أن حشروا من المدائن .

{ قَالَ } فرعون للسحرة { ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي بغير أن آذن لكم بالإيمان له كما في قوله تعالى: { قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } [ الكهف: 109 ] إلا أن الاذن منه ممكن أو متوقع { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذى عَلَّمَكُمُ السحر } فتواطأتم على ما فعلتم فيكون كقوله: { إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ } [ الأعراف: 123 ] الخ أو علمكم شيئًا دون شيء فلذلك غلبكم كما قيل ، ولا يرد عليه أنه لا يتوافق الكلامان حينئذ إذ يجوز أن يكون فرعون قال كلا منهما وإن لم يذكرا معا هنا ، وأراد اللعين بذلك التلبيس على قومه كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق .

وقرأ الكسائي . وحمزة . وأبو بكر . وروح «أآمنتم» بهمزتين { فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال ما فعلتم . واللام قيل للابتداء دخلت الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ محذوف أي فلانتم سوف تعلمون . وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة . وجمعها مع سوف للدلالة على أن العلم كائن لا محالة وأن تأخر لداع ، وقيل: هي للقسم وقاعدة التلازم بينها وبين النون فيما عدا صورة الفصل بينها وبين الفعل بحرف التنفيس وصورة الفصل بينهما بمعمول الفعل كقوله تعالى: { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } [ آل عمران: 158 ] وقال أبو علي: هي اللام التي في لاقو من ونابت سوف عن احدى نوني التأكيد فكأنه قيل: فلتعلمن ، وقوله تعالى حكاية عنه: { لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } بيان لمفعول { تَعْلَمُونَ } المحذوف الذي أشرنا إليه وتفصيل لما أجمل ولذا فصل وعطف بالفاء في محل آخر ، وقد مر معنى { مّنْ خلاف } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت