{ قَالُواْ } أي السحرة { لاَ ضَيْرَ } أي لا ضرر علينا فيما ذكرت من قطع الأيدي وما معه ، والضمير مصدر ضار وجاء مصدره أيضًا ضورًا ، وهو اسم لا وخبرها محذوف وحذفه في مثل ذلك كثير ، وقوله تعالى: { إِنَّا إلى رَبّنَا } أي الذي آمنا به { مُنقَلِبُونَ } تعليل لنفي الضمير أي لا ضير في ذلك بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا من الصبر عليه لوجه الله تعالى من الثواب العظيم أو لا ضير علينا فيما تفعل لأنه لا بد من الموت بسبب من الأسباب والانقلاب إلى الله عز وجل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد
وحاصله نفى المبالاة بالقتل معللا بأنه لا بد من الموت ، ونظير ذلك قول علي كرم الله تعالى وجهه . لا أبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت على ، أو لا ضير علينا في ذلك لأن مصيرنا ومصيرك إلى رب يحكم بيننا فينتقم لنا منك ، وفي معنى ذلك قوله:
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ولم يرتضه بعضهم لأن فيه تفكيك الضمائر لكونها للسحرة فيما قبل وبعد ومنع بدخولهم في ضمير الجمع فتأمل ، وقوله تعالى: { إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خطايانا أَن كُنَّا } أي لأن كنا { أَوَّلُ المؤمنين } تعليل ثان لنفي الضير ولم يعطف إيذانا بأنه مما يستقل بالعلية ، وقيل إن عدم العطف لتعلق التعليل بالمعلل الأول مع تعليله وجوز أن يكون تعليلًا للعلة والأول أظهر أي لا ضير علينا في ذلك إنا نظمع أن يغفر بنا بنا خطايانا لكوننا أول المؤمنين ، والطمع أما على بابه كما استظهره أبو يحان لعدم الوجوب على الله عز وجل ، وإما بمعنى التيقن كما قيل به في قول إبراهيم عليه السلام: { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء: 82 ] وقولهم: { أَوَّلُ المؤمنين } يحتمل أنهم أرادوا به أول المؤمنين من اتباع فرعون أو أول المؤمنين من أهل المشهد أو أول المؤمنين من أهل زمانهم ، ولعل الأخبار بكونهم كذلك لعدم علمهم بمؤمن سبقهم بالإيمان فهو إخبار مبني على غالب الظن ولا محذور فيه كذا قيل ، وقيل: أرادوا أول من أظهر الإيمان بالله تعالى وبرسوله عند فرعون كفاحًا بعد الدعوة وظهور الآية فلا يرد مؤمن من آل فرعون . وآسية ، وكذا لا يرد بن إسرائيل لأنهم كما في البحر كانوا مؤمنين قبلهم إما لعدم علم السحرة بذلك أو لأن كلا من المذكورين لم يظهر الإيمان بالله تعالى ورسوله عند فرعون كفاحًا بعد الدعوة وظهور الآية فتأمل .
وقرأ أبان بن تغلب . وأبو معاذ { أَن كُنَّا } بكسر همزة { ءانٍ } وخرج على أن إن شرطية والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنا أول المؤمنين فإنا نطمع ، وجعل صاحب اللوامح الجواب { إِنَّا نَطْمَعُ } المتقدم وقال: جاز حذف الفاء منه لتقدمه وهو مبني على مذهب الكوفيين . وأبي زيد . والمبرد حيث يجوزون تقديم جواب الشرط ، وعلى هذا فالظاهر أنهم لم يكونوا متحققين بأنهم أول المؤمنين ، وقيل: كانوا متحققين ذلك لكنهم أبرزوه في صورة الشك لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحًا وتضرعًا لله تعالى ، وفي ذلك هضم النفس والمبالغة في تحري الصدق والمشاكلة مع { نَطْمَعُ } على ما هو الظاهر فيه ، وجوز أبو حيان أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة ولا يحتاج إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون فلا احتمال للنفي ، وقد ورد مثل ذلك في الفصيح ففي الحديث: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل» ، وقال الشاعر:
ونحن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن
وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أول المؤمنين أتم جزم . واختلف في أن فرعون هل فعل بهم ما أقسم عليه أولًا والأكثرون على أنه لم يفعل لظاهر قوله تعالى: { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } [ القصص: 35 ] وبعض هؤلاء زعم أنهم لما سجدوا رأوا الجنات والنيران والملكوت السموات والأرض وقبضت أرواحهم وهم ساجدون ، وظواهر الآيات تكذيب أمر الموت في السجود ، وأما رؤية أمر ما ذكر فلا جزم عندي بصدقه والله تعالى أعلم .
وقال السعدي (1) :
{ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } قد واعدهم إياه موسى، وهو يوم الزينة، الذي يتفرغون فيه من أشغالهم.
{ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ } أي: نودي بعموم الناس بالاجتماع في ذلك اليوم الموعود. { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } أي: قالوا للناس: اجتمعوا لتنظروا غلبة السحرة لموسى، وأنهم ماهرون في صناعتهم، فنتبعهم، ونعظمهم، ونعرف فضيلة علم السحر، فلو وفقوا للحق، لقالوا: لعلنا نتبع المحق منهم، ولنعرف الصواب، فلذلك ما أفاد فيهم ذلك، إلا قيام الحجة عليهم.
{ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ } ووصلوا لفرعون قالوا له: { أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } لموسى؟
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 590)