قوله تعالى: { قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ } مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم الذي هو { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين } وقرىء «مِنَ الْمُكَرَّمِينَ» وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته . الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس: نصح قومه حيًا وميتًا . رفعه القشيري فقال: وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية:"إنه نصح لهم في حياته وبعد موته"وقال ابن أبي ليلى: سُبَّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وهو أفضلهم ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب ياس ، فهم الصدّيقون؛ ذكره الزمخشري مرفوعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه . ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام . فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه ، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم؛ فذلك قوله: { وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبيّ بعد قتله؛ قاله قتادة ومجاهد والحسن . قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء . وقيل: الجند العساكر؛ أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر؛ بل أهلكهم بصيحة واحدة . قال معناه ابن مسعود وغيره . فقوله: { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } تصغير لأمرهم؛ أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل ، أو من بعد رفعه إلى السماء . وقيل: { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } على من كان قبلهم . الزمخشري: فإن قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ فقال: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } [ الأحزاب: 9 ] ، وقال: { آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ } [ آل عمران: 124 125 ] .
قلت: إنما كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلِكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة ، ولكن الله فضل محمدًا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلًا عن حبيب النجار ، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحدًا؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنودًا من السماء ، وكأنه أشار بقوله: { وَمَآ أَنزَلْنَا } . { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك ، وما كنا نفعل لغيرك . { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } قراءة العامة «وَاحِدَةً» بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة .
وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع وشيبة والأعرج: «صَيْحَةٌ» بالرفع هنا ، وفي قوله { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث؛ فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة . وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف؛ كما تكون ما قامت إلا هندٌ ضعيفًا؛ من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند . قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحةٌ . قال النحاس: لا يمتنع شيء من هذا ، يقال: ما جاءتني إلا جاريتك ، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية إلا جاريتك .
والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق ، قال: المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة ، وقدّره غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة . وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب . وقرأ عبد الرحمن بن الأسود ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك «إنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً وَاحِدَةً» . وهذا مخالف للمصحف . وأيضًا فإن اللغة المعروفة زَقَا يَزْقو إذا صاح ، ومنه المثل: أثقلُ من الزَّوَاقي؛ فكان يجب على هذا أن يكون زَقْوة . ذكره النحاس .
قلت: وقال الجوهري: الزَّقْو والزَّقْي مصدر ، وقد زَقَا الصدى يَزقْو زقاء: أي صاح ، وكل صائح زاقٍ ، والزَّقْية الصّيحة .
قلت: وعلى هذا يقال: زَقْوة وزَقْية لغتان؛ فالقراءة صحيحة لا اعتراض عليها . والله أعلم . { فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } أي ميتون هامدون؛ تشبيهًا بالرماد الخامد . وقال قتادة: هلكى . والمعنى واحد .
قوله تعالى: { ياحسرة عَلَى العباد } منصوب؛ لأنه نداء نكرة ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين . وفي حرف أُبَيّ «يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ» على الإضافة . وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرًا . وزعم الفراء أن الاختيار النصب ، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصلة كان صوابًا . واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مُهَتمُّ بأمرنا لا تهتمّ . وأنشد: