فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1236

قوله تعالى: { وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى } هو حبيب بن مري وكان نجارا . وقيل: إسكافًا . وقيل: قصّارًا . وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان يَنْحَت الأصنام ، وهو ممن آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة ، كما آمن به تُبّع الأَكبر وورَقة بن نوفل وغيرهما . ولم يؤمن بنبيّ أحدٌ إلا بعد ظهوره . قال وهب: وكان حبيب مجذومًا ، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان يَعكِفُ على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم ، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم ، ندعو ربَّنا القادر فيفرج عنك ما بك . فقال: إن هذا لَعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرِّج عني فلم تستطع ، ( فكيف ) يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم ، ربُّنا على ما يشاء قدير ، وهذه لا تنفع شيئًا ولا تضر . فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به ، كأن لم يكن به بأس؛ فحينئذٍ أقبل على التكسب ، فإذا أمسى تصدّق بكسبه ، فأطعم عياله نصفًا وتصدّق بنصف ، فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم ف { قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين } الآية . وقال قتادة: كان يعبد الله في غارٍ ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى ، فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجرًا؟ قالوا: لا؛ ما أجرنا إلا على الله . قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه ف «قَالَ يَا قَوْمِ اتبعوا الْمُرْسَلِينَ» . { اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا } أي لو كانوا متَّهَمين لطلبوا منكم المال { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } فاهتدوا بهم . { وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي } قال قتادة: قال له قومه أنت على دينهم؟ا فقال: { وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي } أي خلقني . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهذا احتجاج منه عليهم . وأضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر ، والبعث إليهم؛ لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكرًا ، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرًا . { أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً } يعني أصنامًا . { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ } يعني ما أصابه من السقم . { لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونَ } يخلصوني مما أنا فيه من البلاء { إني إِذًا } يعني إن فعلت ذلك { لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } أي خسران ظاهر . { إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون } قال ابن مسعود: خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم . ومعنى «فَاسْمَعُونِ» أي فاشهدوا ، أي كونوا شهودي بالإيمان . وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به . وقيل: إنه لما قال لقومه { اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا } رفعوه إلى الملك وقالوا: قد تبعت عدوّنا؛ فطوّل معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل ، إلى أن قال: { إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ } فوثبوا عليه فقتلوه .

قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره ، وأُلقي في بئر وهي الرَّسُّ وهم أصحاب الرَّسِّ . وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة . وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهدي قومي حتى قتلوه . وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها ، وردموا فوقه التراب فمات ردما . وقال الحسن: حرقوه حرقًا ، وعلّقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية؛ حكاه الثعلبي . وقال القشيري: وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء ، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة ، فإذا أعاد الله الجنة أُدخلها . وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه ، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها؛ فذلك قوله: { قِيلَ ادخل الجنة } فلما شاهدها { قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } أي بغفران ربي لي؛ ف «ما» مع الفعل بمنزلة المصدر . وقيل: بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف . ويجوز أن تكون استفهاما فيه معنى التعجب ، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي؛ قاله الفرّاء . واعترضه الكسائي فقال: لو صحّ هذا لقال بِم من غير ألف . وقال الفراء: يجوز أن يقال بما بالألف وهو استفهام وأنشد فيه أبياتًا . الزمخشري: «بِمَ غَفَرَ لِي» بطرح الألف أجود ، وإن كان إثباتها جائزًا؛ يقال: قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت . المهدوي: وإثبات الألف في الاستفهام قليل . فيوقف على هذا على «يَعْلَمُونَ» . وقال جماعة: معنى قيل «ادخل الْجَنَّةَ» وجبت لك الجنة؛ فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة؛ لأن دخولها يُستحق بعد البعث .

قلت: والظاهر من الآية أنه لما قُتل قيل له ادخل الجنة . قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق؛ أراد قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] على ما تقدم في «آل عمران» بيانه . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت