فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما . قال: فلو أحضرتهما . فأمر بذلك؛ فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدّعيان؟ فقالا: نبرىء الأكمه والأبرص . فجيء بغلام ممسوح العينين؛ موضع عينيه كالجبهة ، فدعوا ربهما فانشق موضع البصر ، فأخذا بندقتين طينًا فوضعاهما في خديه ، فصارتا مقلتين يبصر بهما؛ فعجب الملك وقال: إن هاهنا غلامًا مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجيء أبوه فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية ، ودعاه شمعون سرًّا ، فقام الميت حيًّا ، فقال للناس: إني متّ منذ سبعة أيام ، فوُجدت مشركًا ، فأدخلتُ في سبعة أودية من النار ، فأحذِّركم ما أنتم فيه فآمِنوا بالله ، ثم فتحت أبواب السماء ، فرأيت شابًا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه ، حتى أحياني الله ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن عيسى روح الله وكلمته ، وأن هؤلاء هم رسل الله . فقالوا له: وهذا شمعون أيضًا معهم؟ فقال: نعم وهو أفضلهم . فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم ، فأثر قوله في الملك ، فدعاه إلى الله ، فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون . وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه ، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار . وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا: يا نبيّ الله إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم . فدعا الله لهم فناموا بمكانهم ، فهبُّوا من نومتهم وقد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية ، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم؛ فذلك قوله: { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس } فقالوا جميعًا: { إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق { وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ } يأمر به ولا ( من شيء ) ينهى عنه { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } في دعواكم الرسالة؛ فقالت الرسل: { رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } وإن كذبتمونا { وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين } في أن الله واحد { قالوا } لهم { إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } أي تشاءمنا بكم . قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم . ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين . { لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ } عن إنذارنا { لَنَرْجُمَنَّكُمْ } قال الفراء: لنقتلنكم . قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل . وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة . وقيل: لنشتمنكم؛ وقد تقدّم جميعه . { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } قيل: هو القتل . وقيل: هو التعذيب المؤلم . وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب . فقالت الرسل: { طَائِرُكُم مَّعَكُمْ } أي شؤمكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ولازمٌ في أعناقكم ، وليس هو من شؤمنا؛ قال معناه الضحاك .
وقال قتادة: أعمالكم معكم . ابن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم . الفراء: «طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ» رزقكم وعملكم؛ والمعنى واحد . وقرأ الحسن: «اطيركم» أي تطيركم . { أَإِن ذُكِّرْتُم } قال قتادة: إن ذكرتم تطيرتم . وفيه تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ» بتخفيف الهمزة الثانية . وقرأ أهل الكوفة: «أَإِنْ» بتحقيق الهمزتين . والوجه الثالث: «أَاإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين . والوجه الرابع: «أاإنْ» بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة . والقراءة الخامسة «أَاأَنْ» بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف . والوجه السادس: «أَأَنْ» بهمزتين محققتين مفتوحتين . وحكى الفراء: أنّ هذه القراءة قراءة أبي رُزَين .
قلت: وحكاه الثعلبي عن زِرّ بن حُبيش وابن السَّمَيْقَع . وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري: { قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَإِن ذُكِّرْتُم } بمعنى حيث . وقرأ يزيد بن القعقَاع والحسن وطلحة «ذُكِرْتُمْ» بالتخفيف؛ ذكر جميعه النحاس . وذكر المهدوي عن طلحة بن مُصَرِّف وعيسى الهَمَذانِي: «آنْ ذُكِّرْتُمْ» بالمد ، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة . الماجشون: «أَنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزة واحدة مفتوحة . فهذه تسع قراءات . وقرأ ابن هُرْمُز «طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ» . «أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ» أي لإِن وُعِظتم؛ وهو كلام مستأنف ، أي إن وعظتم تطيرتم . وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } قال قتادة: مسرفون في تطيّركم . يحيى بن سلاّم: مسرفون في كفركم . وقال ابن بحر: السرف هاهنا الفساد ، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون . وقيل: مسرفون مشركون ، والإسراف مجاوزة الحد ، والمشرك يجاوز الحدّ .