وقال الماوردي (1) :
قوله عز وجل: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ } هذه القرية هي أنطاكية من قول جميع المفسرين .
{ إذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا } اختلف في اسميهما على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهما شمعون ويوحنا ، قاله شعيب .
الثاني: صادق وصدوق ، قاله ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه .
الثالث: سمعان ويحيى ، حكاه النقاش .
{ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: فشددنا ، قاله مجاهد .
الثاني: فزدنا ، قاله ابن جريج .
الثالث: قوينا مأخوذ من العزة وهي القوة المنيعة ، ومنه قولهم: من عز وبز: واختلف في اسمه على قولين:
أحدهما: يونس قاله شعيب .
الثاني: شلوم ، قاله ابن عباس وكعب ووهب . وكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة يعبد الأصنام مع أهلها ، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها ، ذكر النقاش أن أسماءها رومس وقيل وارطميس .
واختلف في اسم الملك على قولين:
أحدهما: أن اسمه أنطيخس ، قاله ابن عباس وكعب ووهب .
الثاني: انطرا ، قاله شعيب .
قوله عز وجل: { مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } وهذا القول منهم إنكار لرسالته ، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أنكم مثلنا غير رسل وإن جاز أن يكون البشر رسلًا .
الثاني: إن مثلكم من البشر لا يجوز أن يكونوا رسلًا .
{ وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ } يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك منهم إنكارًا للرحمن أن يكون إلهًا مرسلًا .
الثاني: أن يكون ذلك إنكارًا أن يكونوا للرحمن رسلًا .
{ إنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُكْذِبُونَ } يحتمل وجهين:
أحدهما: تكذبون في أن لنا إلهًا .
الثاني: تكذبون في أن تكونوا رسلًا .
قوله عز وجل: { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } فإن قيل يعلم الله تعالى أنهم لا تكون حجة عند الكفار لهم .
قيل يحتمل قولهم ذلك وجهين:
أحدهما: معناه ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما يظهره لنا من المعجزات ، وقد قيل إنهم أحيوا ميتًا وأبرؤوا زمِنًا .
الثاني: أن تمكين ربنا لنا إنما هو لعلمه بصدقنا .
واختلف أهل العلم فيهم على قولين:
أحدهما: أنهم كانوا رسلًا من الله تعالى إليهم .
الثاني: أنهم كانوا رسل عيسى عليه السلام من جملة الحواريين أرسلهم إليهم فجاز ، لأنهم رسل رسول الله ، أن يكونوا رسلًا لله ، قاله ابن جريج .
{ وَمَا عَلَيْنَآ إلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } يعني بالإعجاز الدال على صحة الرسالة أن الذي على الرسل إبلاغ الرسالة وليس عليهم الإجابة ، وإنما الإجابة على المدعوين دون الداعين .
قوله عز وجل: { قَالُواْ إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تشاءَمنا بكم ، وعساهم قالوا ذلك لسوء أصابهم ، قاله يحيى بن سلام . قيل إنه حبس المطر عن أنطاكية في أيامهم .
الثاني: معناه إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم ، قاله قتادة: تحذيرًا من الرجوع عن دينهم .
الثالث: استوحشنا منكم فيما دعوتمونا إليه من دينكم .
{ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ } فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لنرجمنكم بالحجارة ، قاله قتادة .
الثاني: لنقتلنكم ، قاله السدي .
الثالث: لنشتمنكم ونؤذيكم ، قاله النقاش .
{ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فيه وجهان:
أحدهما: أنه القتل .
الثاني: التعذيب المؤلم قبل القتل .
قوله عز وجل: { قَالُواْ طَآئِرَكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُمْ } فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن أعمالكم معكم أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا ، قاله قتادة .
الثاني: أن الشؤم معكم إن أقمتم على الكفر إذا ذكرتم ، قاله ابن عيسى .
الثالث: معناه أن كل من ذكركم بالله تطيرتم به ، حكاه بعض المتأخرين .
الرابع: أن عملكم ورزقكم معكم ، حكاه ابن حسام المالكي .
{ بَل أَنتُمْ قومٌ مُّسْرفُونَ } فيه وجهان:
أحدهما: في تطيركم ، قاله قتادة .
الثاني: مسرفون في كفركم ، قاله يحيى بن سلام . وقال ابن بحر: السرف ها هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون ، ومنه قول الشاعر:
إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلًا بماءِ غمامة شتمي
وقيل: إن شمعون من بينهم أحيا بنت ملك أنطاكية من قبرها ، فلم يؤمن أحد منهم غير حبيب النجار فإنه ترك تجارته حين سمع بهم وجاءهم مسرعًا فآمن ، وقتلوا جميعًا وحبيب معهم ، وألقوا في بئر . قال مقاتل: هم أصحاب الرس: ولما عرج بروح حبيب إلى الجنة تمنى فقال { يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بَمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ }
قوله عز وجل: { وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } اختلف فيه على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه كان إسكافًا ، قاله عمربن عبد الحكيم .
الثاني: أنه كان قصارًا ، قاله السدي .
الثالث: أنه كان حبيب النجار ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد .
{ قَالَ يَا قَومِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ } وفي علمه بنبوتهم وتصديقه لهم قولان:
(1) - النكت والعيون - (ج 3 / ص 438)