فهرس الكتاب
أحدهما: لأنه كان ذا زمانة أو جذام فأبرؤوه ، قاله ابن عباس .
الثاني: لأنهم لما دعوه قال أتأخذون على ذلك أجرًا؟ قالوا لا ، فاعتقد صدقهم وآمن بهم ، قاله أبو العالية .
قوله عز وجل: { اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا } يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قال ذلك تنبيهًا على صدقهم .
الثاني: أن يكون قال ذلك ترغيبًا في أجابتهم .
{ وُهُم مُّهْتَدُونَ } يحتمل وجهين:
أحدهما: مهتدون لهدايتكم .
الثاني: مهتدون فاهتدوا بهم .
قوله عز وجل: { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي } أي خلقني { وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ } أي تبعثون . فإن قيل: فلم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو معترف أن الله فطرهم جميعًا ويبعثهم إليه جميعًا؟
قيل: لأنه خلق الله تعالى له نعمة عليه توجب الشكر ، والبعث في القيامة وعيد يقتضي الزجر ، فكان إضافة النعمة ، إلى نفسه إضافة شكر ، وإضافة الزجر إلى الكافر أبلغ أثرًا .
قال قتادة: بلغني أنهم لما قال لهم: وما لي لا أعبد الذي فطرني وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وهو يقول: يا رب اهدِ قومي ، أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون .
قوله عز وجل: { إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُم فَاسْمَعُونِ } فيه قولان:
أحدهما: أنه خاطب الرسل بذلك أنه يؤمن بالله ربهم { فَاسْمَعُونِ } أي فاشهدوا لي ، قاله ابن مسعود .
الثاني: أنه خاطب قومه بذلك ، ومعناه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي ، قاله وهب بن منبه .
قوله عز وجل: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ } فيه قولان:
أحدهما: أنه أمر بدخول الجنة .
الثاني: أنه أخبر بأنه قد استحق دخول الجنة لأن دخولها يستحق بعد البعث .
{ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } في هذا التمني منه قولان:
أحدهما: أنه تمنى أن يعلموا حاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته .
الثاني: أنه تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس: نصح قومه حيًا وميتًا .
ويحتمل قوله: { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكرَمِينَ } وجهين:
أحدهما: ممن أكرمه بقبول عمله . الثاني: ممن أحله دار كرامته .قوله عز وجل { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } فيه قولان: أحدهما: معنى جند من السماء أي رسالة ، قاله مجاهد ، لأن الله تعالى قطع عنهم الرسل حين قتلوا رسله .
الثاني: أن الجند الملائكة الذين ينزلون الوحي على الأنبياء ، قاله الحسن .
{ وما كنا منزلين } أي فاعلين .
{ إن كانت إلا صيحة واحدةً } فيها قولان:
أحدهما: أنَّ الصيحة هي العذاب .
الثاني: أنها صيحة من جبريل عليه السلام ليس لها مثنوية ، قاله السدي .
{ فإذا هم خامدون } أي ميتون تشبيهًا بالرماد الخامد .
وفي التفسير الوسيط (1) :
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: { واضرب لَهُمْ مَّثَلًا أَصْحَابَ القرية } وهذه القرية هى"أنطاكية"فى قول جميع المفسرين . . . والمرسلون: قيل: هم رسل من الله على الابتداء . وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله - تعالى - .
ولم يرتض ابن كثير ما ذهب إليه القرطبى والمفسرون من أن المراد بالقرية"أنطاكية"كما أنه لم يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من عند عيسى - عليه السلام - فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: وقد تقدم عن كثير من السلف ، أن هذه القرية هى أنطاكية ، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عيسى - عليه السلام - وفى ذلك نظر من وجوه:
أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله - عز وجل - لا من جهة عيسى ، كما قال - تعالى -: { إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ . . . } .
الثانى: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل عيسى إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح عليه السلام ، ولهذا كانت عند النصارى ، إحدى المدن الأربعة التى فيها بتاركه - أى ، علماء بالدين المسيحى . .
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب عيسى ، كانت بعد نزول التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغيره ، أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين . . .
والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه الإِمام ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب وأن القرآن الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية ، لأن اهتمامه في هذه القصة وأمثالها ، بالعبر والعظات التى تؤخذ منها .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3528)