وفى التعبير"بعسى"الذى يدل على الرجاء ، أدب عظيم من موسى مع ربه - عز وجل -: وتعليم للناس من بعده أن يلتزموا هذا الأدب السامى مع خالقهم ، وفيه كذلك منع لهم من الاتكال وترك العمل ، لأنه لو جزم لهم في الوعد فقد يتركون السعى والجهاد اعتمادًا على ذلك .
وقيل: إن موسى ساق لهم ما وعدهم به في صيغة الرجاء لئلا يكذبوه ، لضعف نفوسهم بسبب ما طال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه ، واستعظامهم لملكه وقوته ، فكأنهم يرون أن ما قاله موسى مستبعد الحصول ، لذا ساقه لهم في صورة الرجاء .
وقال السيد رحمه الله (1) :
إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره ; أو أن له سلطانًا في عالم الأسباب الكونية . إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ; وأنه بإرادته وأمره تمضي الشئون وتقضى الأمور . وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه , وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك , كما هو ظاهر من قول الملأ له: (ويذرك وآلهتك) وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية . إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم , لا يعصون له أمرًا , ولا ينقضون له شرعًا . . وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة . . فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه , وذلك هو تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى عن اليهود والنصارى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله . . . الآية عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانيًا جاء ليسلم - فقال:يا رسول الله ماعبدوهم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ; فاتبعوهم , فذلك عبادتهم إياهم". . . [ أخرجه الترمذي ] .
أما قول فرعون لقومه: (ما علمت لكم من إله غيري) . . فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي , أفلا تبصرون ? أم أنا خير من هذا الذي هو مهين . ولا يكاد يبين ? فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ? . . وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك , وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة ! . وما قصد بقوله: (ما علمت لكم من إله غيري) إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ; والذي يتبعون كلمته بلا معارض ! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي ! وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم ! سواء قالها أم لم يقلها ! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون:
(أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض , ويذرك وآلهتك ?) . .
فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده ; حيث يترتب عليها تلقائيًا بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله . إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض , بقلب نظام الحكم , وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر , وإنشاء وضع آخر مخالف تمامًا لهذه الأوضاع , الربوبية فيه لله لا للبشر . ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه . .
(1) في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 192)