فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 1236

ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة . . بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة ! وهي بنوة ليست حسية ! فلقد كان الناس يعرفون جيدًا أن الفرعون مولود من أب وأم بشريين . إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته . فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين . وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون , فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف ; الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين الله الصحيح . . وذلك كما يقول الله سبحانه: (فاستخف قومه فأطاعوه . . إنهم كانوا قومًا فاسقين) فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ . . وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه , لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله . . فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت , ولا يمكن أن يطيع له امرًا , وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله . . ومن هنا كان يجيء التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى - عليه السلام - إلى (رب العالمين) وإيمان السحرة بهذا الدين , وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين . . ومن هنا يجيء التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية الله وحده . . أو من شهادة أن لا إله إلا الله . . حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام . لا بمدلولها الباهت الهزيل الذي صار لها في هذه الأيام !

ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون , وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع:

(قال:سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) :

وكان بنو إسرائيل قد عانوا من قبل - في إبان مولد موسى - مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه كما يقول الله تعالى في سورة القصص: (إن فرعون علا في الأرض , وجعل أهلها شيعًا , يستضعف طائفة منهم , يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) . .

إنه الطغيان في كل مكان وفي كل زمان . لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام . . !

ويدع السياق فرعون وملأه يتآمرون , ويسدل الستار على مشهد التآمر والوعيد , ليرفعه على مشهد خامس من مشاهد القصة ندرك منه أن فرعون قد مضى ينفذ الوعيد . . إنه مشهد النبي موسى - عليه السلام - مع قومه , يحدثهم بقلب النبي ولغته , ومعرفته بحقيقة ربه ; وبسنته وقدره , فيوصيهم باحتمال الفتنة , والصبر على البلية , والاستعانة بالله عليها . ويعرفهم بحقيقة الواقع الكوني . فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده . والعاقبة لمن يتقون الله ولا يخشون أحدًا سواه . . فإذا شكوا إليه أن هذا العذاب الذي يحل بهم قد حل بهم من قبل أن يأتيهم , وهو يحل بهم كذلك بعدما جاءهم , حيث لا تبدو له نهاية , ولا يلوح له آخر ! أعلن لهم رجاءه في ربه أن يهلك عدوهم , ويستخلفهم في الأرض ليبتليهم في أمانة الخلافة:

(قال موسى لقومه:استعينوا بالله واصبروا , إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , والعاقبة للمتقين . قالوا:أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا . قال:عسى ربكم أن يهلك عدوكم , ويستخلفكم في الأرض , فينظر كيف تعملون) .

إنها رؤية"النبي"لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه . ولحقيقة الواقع الكوني والقوى التي تعمل فيه . ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون . .

إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد , وهو الملاذ الحصين الأمين , وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين . وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه . وألا يعجلوا , فهم لا يطلعون الغيب , ولا يعلمون الخير . .

وإن الأرض لله . وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها . والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين , إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها . . فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها !

وإن العاقبة للمتقين . . طال الزمن أم قصر . . فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير . ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد , فيحسبونهم باقين . .

إنها رؤية"النبي"لحقائق الوجود الكبير . .

ولكن إسرائيل هي إسرائيل !

(قالوا:أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) :

إنها كلمات ذات ظل ! وإنها لتشي بما وراءها من تبرم ! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك . وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية !

ويمضي النبي الكريم على نهجه . يذكرهم بالله , ويعلق رجاءهم به , ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم . واستخلافهم في الأرض . مع التحذير من فتنة الاستخلاف .

(قال:عسى ربكم أن يهلك عدوكم , ويستخلفكم في الأرض , فينظر كيف تعملون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت