إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله , تجري وفق وعده , للصابرين , وللجاحدين ! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله , واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده . فيدفع قومه دفعاُ إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد . . وهو يعلمهم - منذ البدء - أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم . ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه - كما زعموا - فلا يعذبهم بذنوبهم ! وليس جزافًا بلا غاية . وليس خلودًا بلا توقيت . إنه استخلاف للامتحان: (فينظر كيف تعملون) . . وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون . ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان , ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم .
ويدع السياق موسى وقومه ; ويسدل عليهم الستار , ليرفعه من الجانب الآخر على مشهد سادس:مشهد فرعون وآله , يأخذهم الله بعاقبة الظلم والطغيان ; ويحقق وعد موسى لقومه , ورجاءه في ربه ; ويصدق النذير الذي يظلل جو السورة , وتساق القصة كلها لتصديقه .
ويبدأ المشهد هونًا ; ولكن العاصفة تتمشى فيه شيئًا فشيئًا , فإذا كان قبيل إسدال الستار دمدمت العاصفة , فدمرت كل شيء , وعصفت بكل شيء , وخلا وجه الأرض من الطاغية وذيول الطاغية , وعلمنا أن بني إسرائيل قد صبروا فلقوا جزاء صبرهم الحسنى , وأن فرعون وآله فجروا فلقوا جزاء فجورهم الدمار وصدق وعد الله ووعيده ; وجرت سنة الله في أخذ المكذبين بالهلاك بعد أخذهم بالضراء والسراء:
ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . . آيات مفصلات . . فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين . ولما وقع عليهم الرجز قالوا:يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل . فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون . فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ; وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل . . بما صبروا . . ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون . .
لقد مضى فرعون وملؤه إذن في جبروتهم ; ونفذ فرعون وعيده وتهديده , فقتل الرجال واستحيا النساء . ولقد مضى موسى وقومه يحتملون العذاب , ويرجون فرج الله , ويصبرون على الابتلاء . . وعندئذ . . عندما نمحص الموقف:إيمان يقابله الكفر . وطغيان يقابله الصبر . وقوة أرضية تتحدى الله . . عندئذ أخذت القوة الكبرى تتدخل سافرة بين المتجبرين والصابرين:
(ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) . .
إنها إشارة التحذير الأولى . . الجدب ونقص الثمرات . . و (السنين) تطلق في اللغة على سني الجدب والشدة والقحط . وهي في أرض مصر , المخصبة المثمرة المعطاء , تبدو ظاهرة تلفت النظر , وتهز القلب , وتثير القلق , وتدعو إلى اليقظة والتفكر ; لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت - بفسقهم عن دين الله - فيطيعونه , لا يريدون أن يتدبروا ولا أن يتفكروا ; ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات ; ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده ; ولا يريدون أن يعترفوا بأن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية . . لأن هذه العلاقة من عالم الغيب . . وهم أغلظ حسًا وأجهل قلبًا من أن يروا وراء الواقع المحسوس - الذي تراه البهائم وتحسه ولا ترى غيره ولا تحسه - شيئًا ! وإذا رأوا شيئًا من عالم الغيب لم يتفطنوا إلى سنة الله الجارية وفق المشيئة الطليقة ; وإنما نسبوه إلى المصادفات العابرة , التي لا علاقة لها بنواميس الوجود الدائرة .
وكذلك لم ينتبه آل فرعون إلى اللمسة الموقظة الدالة على رحمة الله بعباده - حتى وهم يكفرون ويفجرون . كانت الوثنية وخرافاتها قد أفسدت فطرتهم ; وقطعت ما بينهم وبين إدراك النواميس الدقيقة الصحيحة التي تصرف هذا الكون , كما تصرف حياة الناس ; والتي لا يراها ولا يدركها على حقيقتها إلا المؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا . . الذين يدركون أن هذا الوجود لم يخلق سدى , ولا يمضي عبثًا , إنما تحكمه قوانين صارمة صادقة . . وهذه هي"العقلية العلمية"الحقيقية . وهي عقلية لا تنكر"غيب الله"لأنه لا تعارض بين"العلمية"الحقيقية و"الغيبية"; ولا تنكر العلاقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة , لأن وراءها الله الفعال لما يريد ; الذي يريد من عباده الإيمان وهو يريد منهم الخلافة في الأرض , والذي يسن لهم من شريعته ما يتناسق مع القوانين الكونية ليقع التناسق بين حركة قلوبهم وحركتهم في الأرض . .