فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 1236

لم ينتبه آل فرعون إلى العلاقة بين كفرهم وفسقهم عن دين الله , وبغيهم وظلمهم لعباد الله . . وبين أخذهم بالجدب ونقص الثمرات . . في مصر التي تفيض بالخصب والعطاء , ولا تنقص غلتها عن إعالة أهلها إلا لفسوق أهلها وأخذهم بالابتلاء لعلهم يتذكرون !

لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم . ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقًا طبيعيًا لهم ! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم .

(فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) . .

وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله , فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ; ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث . وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة . فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة . لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط ; وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة ; لا تلتقي عند قاعدة , ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية"العلمية !"عن معاكسة"الطبيعة !"لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات ! وكما يقول الذين يمضون مع هذه"العلمية"المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث . . وهم ينكرون قدر الله . . وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه"مسلم"وهو ينكر أصول الإيمان بالله !

وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث . الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها . والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم , ومن تحت رأسهم !

وأصل"التطير"في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه . . فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا , جاء إلى عش طائر فهيجه عنه , فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده . وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي ; وأحل محله التفكير"العلمي"- العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود ; وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها ;وأقام الأمور على أسس"علمية"يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده ; وتوضع في موضعها الصحيح , في إطار المشيئة الإلهية الطليقة , وقدره النافذ المحيط:

(ألا إنما طائرهم عند الله ; ولكن أكثرهم لا يعلمون) . .

إن ما يقع لهم مصدره كله واحد . . إنه من أمر الله . . ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء . . وتصيبهم السيئة للابتلاء: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) . . ويصيبهم النكال للجزاء . . ولكن أكثرهم لا يعلمون . . كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم"العقلية العلمية"! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم"الاشتراكية العلمية"كذلك !!! وكلهم جهال . . وكلهم لا يعلمون !

ويمضي آل فرعون في عتوهم , تأخذهم العزة بالإثم ; ويزيدهم الابتلاء شماسًا وعناداُ:

(وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين) . .

فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة ; ولا يرده برهان ; ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر , لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان - قطعًا للطريق على البرهان ! - وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدمغهم الحق ; وتجبههم البينة , ويطاردهم الدليل . . بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم . . كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل !

عندئذ تتدخل القوة الكبرى سافرة بوسائلها الجبارة:

(فأرسلنا عليهم الطوفان , والجراد , والقمل , والضفادع والدم . . آيات مفصلات . .)

للإنذار والابتلاء . . آيات مفصلات . . واضحة الدلالة , منسقة الخطوات , تتبع الواحدة منها الأخرى , وتصدق اللاحقة منها السابقة .

ولقد جمع السياق هنا تلك الآيات المفصلة , التي جاءتهم مفرقة . واحدة واحدة . وهم في كل مرة يطلبون إلى موسى تحت ضغط البلية أن يدعو لهم ربه لينقذهم منها ; ويعدونه أن يرسلوا معه بني إسرائيل إذا أنجاهم منها , وإذا رفع عنهم هذا (الرجز) , أي العذاب , الذي لا قبل لهم بدفعه:

(ولما وقع عليهم الرجز قالوا:يا موسى ادع لنا ربك - بما عهد عندك - لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك , ولنرسلن معك بني إسرائيل) . .

وفي كل مرة ينقضون عهدهم , ويعودون إلى ما كانوا فيه قبل رفع العذاب عنهم وفق قدر الله في تأجيلهم إلى أجلهم المقدور لهم:

(فلما كشفنا عنهم الرجز - إلى أجل هم بالغوه - إذا هم ينكثون) . .

جمع السياق الآيات كلها , كأنما جاءتهم مرة واحدة . وكأنما وقع النكث منهم مرة واحدة . ذلك أن التجارب كلها كانت واحدة , وكانت نهايتها واحدة كذلك . وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصص يجمع فيها البدايات لتماثلها ; ويجمع فيه النهايات لتماثلها كذلك . . ذلك أن القلب المغلق المطموس يتلقى التجارب المنوعة وكأنها واحدة ; لايفيد منها شيئًا , ولا يجد فيها عبرة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت