فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 1236

فأما كيف وقعت هذه الآيات , فليس لنا وراء النص القرآني شيء . ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها شيئًا . ونحن على طريقتنا في هذه"الظلال"نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع . لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا من طريق الكتاب أو السنة الصحيحة . وذلك تحرزًامن الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها ; والتي تسربت - مع الأسف - إلى التفاسير القديمة كلها , حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير ; وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري - على نفاسة قيمته - وتفسير ابن كثير كذلك - على عظيم قدره - لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة . .

وقد وردت روايات شتى في شأن هذه الآيات عن ابن عباس , وعن سعيد بن جبير , وعن قتادة , وعن ابن إسحاق . . رواها أبو جعفر ابن جرير الطبري في تاريخه وفي تفسيره . وهذه واحدة منها:

"حدثنا ابن حميد , قال:حدثنا يعقوب القمي , عن جعفر بن المغيرة , عن سعيد بن جبير قال:لما أتى موسى فرعون قال له:أرسل معي بني إسرائيل , فأبى عليه , فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصب عليهم منه شيئًا , فخافوا أن يكون عذابًا , فقالوا لموسى:ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه , فلم يؤمنوا , ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ; فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ . فقالوا:هذا ما كنا نتمنى ! فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ , فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لايبقي الزرع . فقالوا:يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك , ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه , فكشف عنهم الجراد , فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ! فداسوا وأحرزوا في البيوت , فقالوا:قد أحرزنا ! فأرسل الله عليهم القمل - وهو السوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة . فقالوا:ياموسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل , فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه فكشف عنهم , فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل . فبينما هو جالس عند فرعون , إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون:ما تلقى أنت وقومك من هذا ! فقال:وما عسى أن يكون كيد هذا ?! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع , ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه . فقالوا لموسى:ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع , فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فكشف عنهم فلم يؤمنوا . فأرسل الله عليهم الدم , فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار , أو ما كان في أوعيتهم , وجدوه دمًا عبيطًا . فشكوا إلى فرعون فقالوا:إنا قد ابتلينا بالدم , وليس لنا شراب ! فقال:إنه قد سحركم ! فقالوا:من أين سحرنا , ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا ? فأتوه فقالوا:يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم , فنؤمن لك , ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه , فكشف عنهم , فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل".

والله أعلم أي ذلك كان . . والصورة التي جاءت بها هذه الآيات لا يؤثر اختلافها في طبيعة هذه الآيات . فالله - سبحانه - أرسلها بقدره , في وقت معين , ابتلاء لقوم معينين ; وفق سنته في أخذ المكذبين بالضراء لعلهم يتضرعون .

ولقد كان قوم فرعون على وثنيتهم وجاهليتهم ; وعلى استخفاف فرعون بهم لفسقهم , يلجأون إلى موسى - عليه السلام - ليدعو ربه بما عهد عنده , ليكشف عنهم البلاء . . وإن كانت السلطات الحاكمة بعد ذلك تنكث ولا تستجيب . لأنها تقوم على ربوبية فرعون للبشر ; وتفزع من ربوبية الله لهم . إذ أن ذلك معناه هدم نظام الحكم الذي يقوم على حاكمية فرعون لا حاكمية الله ! . . أما أهل الجاهلية الحديثة فإن الله يسلط الآفات على زروعهم , فلا يريدون أن يرجعوا إلى الله البتة ! وإذا أحس أصحاب الزروع من الفلاحين بيد الله في هذه الآفات , - وهو الشعور الفطري حتى في النفوس الكافرة في ساعات الخطر والشدة ! - واتجهوا إلى الله بالدعاء أن يكشف عنهم البلاء , قال لهم أصحاب"العلمية !"الكاذبة:هذا الاتجاه خرافة"غيبية !"وتندروا عليهم وسخروا منهم ! ليردوهم إلى كفر أشد وأشنع من كفر الوثنيين !

ثم تجيء الخاتمة - وفق سنة الله في أخذ المكذبين بعد الابتلاء بالضراء والسراء - وتقع الواقعة . ويدمر الله على فرعون وملئه - بعد إذ أمهلهم وأجلهم إلى أجل هم بالغوه - ويحقق وعده للمستضعفين الصابرين , بعد إهلاك الطغاة المتجبرين:

فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم , بأنهم كذبوا بآياتنا , وكانوا عنها غافلين . وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها". . ."وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا , ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه , وما كانوا يعرشون . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت