فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 1236

والحق أن قراءة شيء ما عندهم ليست شرطًا لعدم التأثر بالدخول في النار ونحوه فكثير منهم من ينادي إذا أوقدت له النار وضربت الدفوف يا شيخ أحمد يا رفاعي أو يا شيخ فلان لشيخ أخذ منه الطريق ويدخل النار ولا يتأثر من دون تلاوة شيء أصلًا ، والأكثر منهم إذا قرأ الأسماء على النار ولم تضرب له الدفوف ولم يحصل له تغير حال لم يقدر على مس جمرة ، وقد يتفق أن يقرأ أحدهم الأسماء وتضرب له الدفوف وينادي من ينادي من المشايخ فيدخل ويتأثر ، والحاصل أنا لم نر لهم قاعدة مضبوطة بيد أن الأغلب أنهم إذا ضربت لهم الدفوف واستغاثوا بمشايخهم وعربدوا يفعلون ما يفعلون ولا يتأثرون ، وقد رأيت منهم من يأخذ زق الخمر ويستغيث بمن يستغيث ويدخل تنورًا كبيرًا تضطرم فيه النار فيقعد في النار فيشرب الخمر ويبقى حتى تخمد النار فيخرج ولم يحترق من ثيابه أو جسده شيء ، وأقرب ما يقال في مثل ذلك: إنه استدراج وابتلاء ، وأما أن يقال: إن الله عز وجل أكرم حضرة الشيخ أحمد الرفاعي قدس سره بعدم تأثر المنتسبين إليه كيفما كانوا بالنار ونحوها من السلاح وغيره إذا هتفوا باسمه أو اسم منتسب إليه في بعض الأحوال فبعيد بل كأني بك تقول بعدم جوازه ، وقد يتفق ذلك لبعض المؤمنين في بعض الأحوال إعانة له ، وقد يأخذ بعض الناس النار بيده ولا يتأثر لأجزاء يطلي بها يده من خاصيتها عدم إضرار النار للجسد إذا طلى بها فيوهم فاعل ذلك أنه كرامة .

هذا واستدل بالآية من قال: إن الله تعالى أودع في كل شيء خاصة حسبما اقتضته حكمته سبحانه فليس الفرق بين الماء والنار مثلًا بمجرد أنه جرت عادة الله تعالى بأن يخلق الإحراق ونحوه عند النار والري ونحوه عند الماء بل أودع في هذا خاصة الري مثلًا وفي تلك خاصة الإحراق مثلًا لكن لا تحرق هذه ولا يروى ذاك إلا بإذنه عز وجل فإنه لو لم يكن أودع في النار الحرارة والإحراق ما قال لها ما قال . ولا قائل بالفرق فتأمل .

{ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا } مكرًا عظيمًا في الإضرار به ومغلوبيته { فجعلناهم الاخسرين } أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في إطفار نور الحق قولًا وفعلًا برهانًا قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل وموجبًا لارتفاع درجته عليه السلام واستحقاقهم لأشد العذاب ، وقيل جعلهم الأخسرين من حيث أنه سبحانه سلط عليهم ما هو من أحقر خلقه وأضعفه وهو البعوض يأكل من لحومهم ويشرب من دمائهم وسلط على نمروذ بعوضة أيضًا فبقيت تؤذيه إلى أن مات لعنه الله تعالى ، والمعول عليه التفسير الأول .

وفي التفسير الوسيط (1) :

قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت في سور متعددة منها: سورة البقرة ، والعنكبوت ، والصافات .

وهنا تحدثنا سورة الأنبياء عن جانب من قوة إيمانه - عليه السلام - ومن سلامة حجته ومن تصميمه على تنفيذ ما يرضى الله - تعالى - بالقول والعمل .

والمراد بالرشد: الهداية إلى الحق والبعد عن ارتكاب ما نهى الله - تعالى - عنه .

والمراد بقوله - تعالى - { مِن قَبْلُ } أى: من قبل أن يكون نبيا .

والمعنى: ولقد آتينا - بفضلنا وإحساننا - إبراهيم - عليه السلام - الرشد إلى الحق ، والهداية إلى الطريق المستقيم ،"من قبل"أى: من قبل النبوة بأن جنبناه ما كان عليه قومه من كفر وضلال .

وقد أكتفى الإمام ابن كثير بهذا المعنى في قوله - تعالى - { مِن قَبْلُ } فقال: يخبر - تعالى - عن خليله إبراهيم - عليه السلام - ، أنه آتاه رشده من قبل .

أى: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه ، كما قال - تعالى -: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ . . . } ومن المفسرين من يرى أن المقصود بقوله - تعالى - { مِن قَبْلُ } أى: من قبل موسى وهارون ، فقد كان الحديث عنهما قبل ذلك بقليل في قوله - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْرًا لَّلْمُتَّقِينَ . . . } فيكون المعنى: ولقد آتينا إبراهيم رشده وهداه ، ووفقنا للنظر والاستدلال على الحق ، من قبل موسى وهارون ، لأنه يسبقهما في الزمان .

وقد رجح هذا المعنى الإمام الآلوسى فقال:"ولقد آتينا إبراهيم رشده".

أى: الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار ، وهو الرشد الكامل ، أعنى: الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا . . ."من قبل"أى: من قبل موسى وهارون ، وقيل: من قبل البلوغ . . . والأول مروى عن ابن عباس وابن عمر ، وهو الوجه الأوفق لفظا ومعنى ، أما لفظا فللقرب ، وأما معنى فلأن ذكر الأنبياء - عليهم السلام - للتأسى ، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى ، لكن روعى في ذلك ترشيخ التسلى والتأسى ، فقد ذكر موسى ، لأن حاله وما قاساه من قومه . . . أشبه بحال نبينا - صلى الله عليه وسلم - .

ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للمعنيين . أى: أن الله - تعالى - قد أعطى إبراهيم رشده ، من قبل النبوة ، ومن قبل موسى وهارون لسبقه لهما في الزمان .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2908)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت