فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 1236

وقوله: { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } بيان لكمال علم الله - تعالى - أى: وكنا به وبأحواله وبسائر شئونه عالمين ، بحيث لا يخفى علينا شىء من أحواله أو من أحوال غيره .

وقوله: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } بيان لما جابَهَ بِه إبراهيم أباه وقومه من قول سديد يدل على شجاعته ورشده .

أى: وكنا به عالمين . وقت أن قال لأبيه وقومه على سبيل الإرشاد والتنبيه: ما هذه التماثيل الباطلة التى أقبلتم عليها ، وصرتم ملازمين لعبادتها بدون انقطاع .

وسؤاله - عليه السلام - لهم بما التى هى لبيان الحقيقة ، من باب تجاهل العارف ، لأنه يعلم أن هذه الأصنام مصنوعة من الأحجار أو ما يشبهها ، وإنما أراد بسؤاله تنبيههم إلى فساد فعلهم . حيث عبدوا ما يصنعونه بأيديهم .

وعبر عن الأصنام بالتماثيل ، زيادة في التحقير من أمرها ، والتوهين من شأنها ، فإن التماثيل هو الشىء المصنوع من الاحجار أو الحديد أو نحو ذلك ، على هيئة مخلوق من مخلوقات الله - تعالى - كالإنسان والحيوان ، يقال: مثلت الشىء بالشىء إذا شبهته به .

فهو - عليه السلام - سماها باسمها الحقيقى الذى تستحقه ، دون أن يجاريهم في تسميتها آلهة .

وقوله: { عَاكِفُونَ } من العكوف بمعنى المداومة والملازمة . يقال: عكف فلان على الشىء إذا لازمه وواظب عليه ، ومنه الاعتكاف لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية .

وفى التعبير عن عبادتهم لها بالعكوف عليها ، تفظيع لفعلهم وتنفير لهم منه ، حيث انكبوا على تعظيم من لا يستحق التعظيم ، وتعلقوا بعبادة تماثيل هم صنعوها بأيديهم .

وقوله - سبحانه -: { قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } حكاية لما قالوه في ردهم على إبراهيم - عليه السلام - وهو رد يدل على تحجر عقولهم ، وانطماس بصائرهم حيث قلدوا فعل آبائهم بدون تدبر أو تفكر .

أى: قالوا في جوابهم على إبراهيم - عليه السلام - وجدنا آباءنا يعبدون هذه التماثيل فسرنا على طريقتهم .

وهنا يرد عليهم إبراهيم بقوله: { لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .

أى: لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين وجدتموهم يعبدون هذه الأصنام ، في ضلال عجيب لا يقادر قدره ، وفى فساد ظاهر واضح لا يخفى أمره على عاقل ، لأن كل عاقل يعلم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة أو التقديس أو العكوف عليها ، والباطل لا يصير حقا بفعل الآباء له .

وعندما واجههم إبراهيم - عليه السلام - بهذا الحكم البين الصريح ، قالوا له: { أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين } .

أى: أجئتنا يا إبراهيم بالحق الذى يجب علينا اتباعه ، أم أنت من اللاعبين اللاهين الذين يقولون ما يقولون بقصد الهزل والملاعبة .

وسؤالهم هذا يدل على تزعزع عقيدتهم . وشكهم فيما هم عليه من باطل ، إلا أن التقليد لآبائهم . جعلهم يعطلون عقولهم"ويستحبون العمى على الهدى".

ويجوز أن يكون سؤالهم هذا من باب الإنكار عليه . واستبعاد أن يكون آباؤهم على باطل ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله:"بقوا متعجبين من تضليله إياهم ، وحسبوا أن ما قاله ، إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة ، لا على طريق الجد ، فقالوا له: هذا الذى جئتنا به ، أهو جد وحق أم لعب وهزل ."

وقد رد عليهم إبراهيم - عليه السلام - ردا حاسما يدل على قوة يقينه فقال:"بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن . .".

أى: قال لهم إبراهيم بلغة الواثق بأنه على الحق: أنا لست هازلا فيما أقوله لكم ، وإنما أنا جاد كل الجد في إخباركم أن الله - تعالى - وحده هو ربكم ورب آبائكم ، ورب السموات والأرض ، فهو الذى خلقهن وأنشأهن بما فيهن من مخلوقات بقدرته التى لا يعجزها شىء .

وقوله: { وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين } تذييل المقصود به تأكيد ما أخبرهم به ، وما دعاهم غليه . أى: وأنا على أن الله - تعالى - هو ربكم ورب كل شىء من الشاهدين ، الذين يثقون في صدق ما يقولون ثقة الشاهد على شىء لا يشك في صحته .

ثم أضاف إلى هذا التأكيد القولى ، تأكيدًا آخر فعليا ، فقال لهم: { وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } .

أى: وحق الله الذى فطركم وفطر كل شىء ، لأجتهدن في تحطيم أصنامكم ، بعد أن تنصرفوا بعيدا عنها . وتولوها أدباركم .

وأصل الكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه . وقد عبر به إبراهيم عن تكسير الأصنام وتحطيمها ، لأن ذلك يحتاج إلى احتيال وحسن تدبير .

وقد نفذ إبراهيم ما توعد به الأصنام ، فقد انتهز فرصة ذهاب قومه بعيدا عنها فحطمها ، قال تعالى - { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } .

والفاء في قوله:"فجعلهم"فصيحة . والجذاذ القطع الصغيرة جمع جذاذ من الجذ بمعنى القطع والكسر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت