فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 1236

أى: فولوا مدبرين عن الأصنام فجعلها بفأسه قطعا صغيرة ، بأن حطمها عن آخرها - سوى الصنم الأكبر لم يحطمه بل تركه من غير تكسير . لعلهم إليه يرجعون فيسألونه كيف وقعت هذه الواقعة وهو حاضر ، ولم يستطع الدفاع عن إخوته الصغار؟!!

ولعل إبراهيم - عليه السلام - قد فعل ذلك ليقيم لهم أوضح الأدلة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون آلهة ، لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها ، وليحملهم على التكفير في أن الذى يجب أن يكون معبودًا ، إنما هو الله الخالق لكل شىء ، والقادر على كل شىء .

قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير ، وضمير"إليه"عائد إلى إبراهيم ، أى: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم ، فيحاجهم ويبكتهم .

وعن الكلبى: أن الضمير للكبير ، أى: لعلهم يرجعون إلى الكبير ، كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة ، وما لك صحيحا ، والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ، ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم . . .

وعاد القوم إلى أصنامهم بعد تركهم إياها لفترة من الوقت ، فوجدوها قد تحطمت إلا ذلك الكبير ، فأصابهم ما أصابهم من الذهول والعجب ، ويصور القرآن الكريم ذلك فيقول: { قَالُواْ مَن فَعَلَ . . . } . أى: وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ما حل بأصنامهم"قالوا"على سبيل الفتجع والإنكار:"من فعل هذا"الفعل الشنيع"بآلهتنا"التى نعظمها"إنه"أى هذا الفاعل"لمن الظالمين"لهذه الآلهة . لإقدامه على إهانتها وهى الجديرة بالتعظيم - في زعمهم - ، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها للعقوبة منا .

{ قَالُواْ } أى: بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله:"وتا الله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين". { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } والمراد بالذكر هنا: الذكر بالسوء والذم .

أى: سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد ، وهذا الفتى يقال له إبراهيم ، ولعله هو الذى فعل بهم ما فعل .

وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا . إذا كان الأمر كذلك: { فَأْتُواْ بِهِ } وأحضروه { على أَعْيُنِ الناس } أى: أمام أعينهم ليتمكنوا من رؤيته على أتم وجه { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } مساءلتنا له . ومواجهتنا إياه بالعقوبة التى يستحقها على فعله هذا ، أو يشهدون عليه بأنه هو الذى حطم الأصنام .

قال ابن كثير: وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ، أن يتبين في هذا المحفل العظيم ، كثرة جهلهم ، وقلة عقلهم ، في عبادة هذه الأصنام ، التى لا تدفع عن نفسها ضرا ، ولا تملك لها نصرا . ."."

وجاءوا بإبراهيم - عليه السلام - وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد:"أأنت فعلت هذا"التكسير والتحطيم"بآلهتنا"التى نعبدها"يا إبراهيم"؟

وهنا يرد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بتهكم ظاهر ، واستهزاء واضح فيقول: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } يعنى الذى تركه بدون تحطيم ، فإن كنتم لم تصدقوا قولى { فَاسْأَلُوهُمْ } عمن فعل بهم ذلك { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } أى: إن كانوا ممن يتمكن من النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل بهم ما فعل .

فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - لم يقصد بقوله هذا الإخبار بأن كبير الأصنام هو الذى حطمها ، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها ، وإنما الذى يقصده هو الاستهزاء بهم ، والسخرية بأفكارهم ، فكأنه يقول لهم: إن هذه التماثيل التى تعبدونها من دون الله . لا تدرى إن كنت أنا الذى حطمتها أم هذا الصنم الكبير ، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن وليتم عنها مدبرين ، وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذى حطمها إن كانت لكم عقول تعقل؟

قال صاحب الكشاف: هذا - أى قول إبراهيم لهم: بل فعله كبيرهم هذا - من معاريض الكلام ، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الخاصة من علماء المعانى .

والقول فيه أن قصد إبراهيم - عليه السلام - لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، وإنما قصد تقريره لنفسه ، وإثباته لها على أسلوب تعريضى ، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم .

وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتابا بخط رشيق - وأنت شهير بحسن الخط -: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمى لا يحسن الخط ، ولا يقدر إلى على خربشة فاسدة - أى كتابة رديئة - فقلت له: بل كتبته أنت ، كان قصدك بهذا الجواب ، تقرير أن هذه الكتابة لك . مع الاستهزاء به . . .

وهذا التفسير للآية الكريمة من أن إبراهيم - عليه السلام - قد قال لقومه ما قال من سبيل الاستهزاء بهم ، هو الذى تطمئن إليه قلوبنا ، وقد تركنا أقوالا أخرى للمفسرين في معنى الآية ، نظرا لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول .

وقوله - سبحانه -: { فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون } بيان للأثر الذى أحدثه رد إبراهيم - عليه السلام- .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت