أيها الأخوة: نعم رجع إلى الملك ليبين له أن ربه ورب الناس جميعًا هو الله وليس أنت أيها الملك.
(( وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور أي(السفينة الصغيرة) فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال وما هو، قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني )).
(يريد أن يضحي هذا الغلام الصغير بأعلى شيء يملكه يضحي بنفسه التي بين جنباته لكي يعبد الله وحده لا شريك له، والله أكبر ولله أكبر، هذه اهتمامات هذا الغلام الصغير، فما هي اهتمامات غلماننا اليوم أو قل شبابنا فما هي اهتماماتهم إلا آخر شريط نزل للمغني الفلاني أو آخر فلم عربي أو غربي صدر هذه الأيام أو قصات أو موضات أو سيارات.
وإلى الله المشتكى، وغلام ناعم الأظفار، صغير الجسم، ضعيف القوى، يضحي بروحه في سبيل الله، فلله درّ هذه القلوب حين خالطها الإيمان، ولله در هذه النفوس حين عانقها الإسلام.
ثم قال: (( فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأُتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها )) ، ومعنى احموه: أي ارموه فيها، وفي بعض نسخ مسلم: (( فأقحموه ) )بالقاف ومعناه اطرحوه فيه كرهًا.
قال: من لم لمن يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، شق لهم في الأرض أخدودًا أي سكة، وأشعلوا فيها النار فإذا النار تلتهب ويأكل بعضها بعضًا، وعلا لهيب النار ليغطي الأخدود فكأن النار على سطح الأرض والناس طوابير.
من ربك فإن قال: الله، ألقوه فيها أو قيل له: ألقِ نفسك، فاقتحم الناس النار وتسابقوا إليها، وكأنهم يردون ماءًا عذبًا أو يدعون إلى وليمة، لكنها والله الجنة التي يرحض في سبيلها كل غالي ويبذل لنيلها كل نفيس.
(ثم قالت الرواية) : (( حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست(أي توقفت) أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أُمّه اصبري فإنك على الحق )).
هكذا كان البلاء وهكذا صبر المؤمنون.
ِأصحاب الأخدود في القرن الحادي والعشرين
خالد الحر
إن عقول هذه الفئة الكافرة لم تتغير منذ قديم الزمان إلى عصرنا الحالي (القرن الواحد والعشرين) . فنرى اليهود ارتكبوا أبشع الجرائم في فلسطين المسلمة. والروس قاموا بأفظع المذابح في أفغانستان، والصرب قتلوا وشردوا ويتموا الكثير من العوائل في البوسنة والهرسك ومن بعدها في كوسوفا، ويعود الروس ثانية لجرح المسلمين جرحًا جديدًا في الشيشان.
فنظرة البشر لكل شيء تطورت مع مرور الزمن إلا نظرة الكفار للمسلمين ودمائهم.
فنرى الجمعيات التي أنشأت للرفق بالحيوان، والمحافظة على البيئة، ولكن لم يتخذ أي إجراء حقيقي ولم تنشأ أي جمعية أو رابطة لحفظ دماء المسلمين وأعراضهم.
ولكن إخوتي الكرام.. لماذا كل هذا الحقد على المسلمين من جهة، وتجاهلهم من الجهة الآخر؟
لقد بين الله عز وجل هذا العداء وسببه في كتابه العزيز، حيث قال جل جلاله: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ البقرة 120
إنها قاعدة ربانية واضحة، تبين طبيعة العلاقة بين اليهود والنصارى وبين المسلمين (ولا يخفى على أحد دور اليهود والنصارى وتأثيرهم في إدارة العالم كله) .. إن هذه العلاقة مبنية على الكره والحقد من هؤلاء (الضالين والمغضوب عليهم) تجاه المسلمين، والسبب في ذلك، هو أن المسلمين عرفوا الحق فاتبعوه، أما اليهود والنصارى عرفوا الحق فحاربوه، فهم يحسدون المسلمين على اتباعهم المنهج الصحيح الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ ويشير الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة 109