فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 1236

قال ابن عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم ، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن ، ومنه قوله { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء: 73 ] والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول: « أعوذ بك من فتنة المحيا » قال هو أن يعدل عن الطريق . قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، لأن الله تعالى قال: { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان .

ثم قال تعالى: { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي فإن لم يقبلوا حكمك { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا ، وهو أن يسلطك عليهم ، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء ، وإنما خصّ الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم ، وكان مجازاتهم بالبعض كافيًا في إهلاكهم والتدمير عليهم ، والله أعلم .

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى ، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر .

ثم قال تعالى: { وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ الناس لفاسقون } لمتمردون في الكفر معتدون فيه ، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في الكفر .

ثم قال تعالى: { أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر { تبغون } بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على المغايبة ، وقرأ المسلمي { لفاسقون أَفَحُكْمَ الجاهلية } برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع { يَبْغُونَ } خبرًا وإسقاط الراجع عنه لظهوره ، وقرأ قتادة { أبحكم الجاهلية } والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام بالجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّيين حكمًا كأولئك الحكام .

المسألة الثانية: في الآية وجهان: الأول: قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدًا عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النضير منا قتيلًا أعطونا سبعين وسقًا من تمر ، وإن قتلنا منهم واحدًا أخذوا منا مائة وأربعين وسقًا من تمر ، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال عليه السلام: « فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري ، ودم النضري وفاء من دم القرظي ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ، ولا جراحة » ، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية { أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } يعني حكمهم الأول . وقيل: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه ، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به ، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية ، الثاني: أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييرًا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى .

ثم قال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } اللام في قوله { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف: 23 ] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكمًا ، ولا أحسن منه بيانًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت