وفي التفسير الوسيط (1) :
قوله: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِنًا } معطوف على قوله قبل ذلك { إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة } والمراد بالكتاب الأول: القرآن الكريم وأل فيه للعهد .
والمراد بالكتاب الثاني: جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإِنجيل وأل فيه للجنس وقوله { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي: رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها؛ لأنه هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها .
قال ابن جرير: وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب . يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه . فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن .
وقال صاحب الكشاف: وقرئ { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } - بفتح الميم - أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال - تعالى -: { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } والذي هيمن عليه هو الله - عز وجل . أو الحفاظ في كل بلد ، لو حُرِّّف حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا ، رادين ومنكرين .
والمعنى: لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإِنجيل على عيسى ، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } أي: مؤيدًا لما في تلك الكتب التي تقدمته: من دعوة إلى عبادة الله وحده ، و إلى التمسك بمكارم الأخلاق . وجعلناه كذلك"مهيمنا عليها"أي: أمينا ورقيبا وحاكما عليها .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية بإشارات من أهمها:
أنه - سبحانه - لم يقل: وقفينا على آثارهم - أي على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن . كما قال في شأن عيسى ابن مريم { وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَآتَيْنَاهُ الإنجيل } إلخ .
لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما قال: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق } للإِشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإِيذان بأن الشيعة التي هذا كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير .
وأنه - سبحانه - لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب } للإِشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب .
أي: أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود .
وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق ، ومال مل يؤيده منها فهو باطل .
قال ابن كثير: جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدًا وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وقوله: { فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق } أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتلزم في حكمه بين الناس الأحكام التي أنزلها - سبحانه - والفاء في قوله: ( فاحكم ) للإِفصاح عن شرط مقدر .
أي: إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود وبين غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام ، فإن ما أنزله هو الحق الذي لا باطل معه ، ولا تتبع في حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن أتباعك لأهواهئهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب . ولم يقل - سبحانه -"فاحكم بينهم به"بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال: { فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله } للتنبيه على عليه ما في حيز الصلة للحكم ، لأن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم .
أي: التزم في حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذي أنزله الله عليك .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1286)