فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1236

قال بعض العلماء:"وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنهن نسخ والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإِيمان به - عليه السلام ."

والضمير في قوله ، ( أهواءهم ) يعود إلى أولئك اليهود الذين كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام .

قال الآلوسي: والنهي يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه . ولا يقال: كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم ، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك .

وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام .

وقوله: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من الحق .

والشرعة والشريعة بمعنى واحد . وهي في الأصل الطريق الظاهر الموصول للماء . والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة . وسمي ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة تشبيها بشريعة الماء . من حيث إن كلا منهما سبب الحياة . إذ أن الشريعة الدينية سبب في حياة الأرواح حياة معنوية . كما أن الماء سبب في حياة الأرواح حياة مادية .

والمنهاج: الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح . والعطف باعتبار جمع الأوصاف .

قال بعضهم: هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد .

وقيل: ليستا بمعنى واحد . فالشرعة ابتداء الطريق . والمنهاج الطريق المستقيم .

وقوله: ( منكم ) متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين"كل".

أي: لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجًا خاصين بها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - كانت شرعتها ما في التوراة من أحكام . والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما في الإِنجيل . وأما هذه الأمة الإِسلامية فشريعتها ما في القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ما جاء في الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذي نزل فيه ، والعصورا لتي تلت ذلك إلى يوم القيامة .

وأهل الكتاب إنما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم ، أما بعد نزوله ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية ، فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول في الإِسلام ، واتباع رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به أو نهى عنه ، وليس لأحد بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه في جميع أقواله وأعماله .

والاختلاف في الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهي ، وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبغير ذلك من فروع الشريعة ، فقد يحرم الله شيئًا على قوم عقوبة لهم ، ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم ، كما قال - تعالى -: { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام -:

{ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين ، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة الله وحده .

والتحلي بمكارم الأخلاق ، فلا يتعلق به اختلاف في أي شريعة من الشرائع ، أو أي دين من الأديان .

وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال: قوله: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد . كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد"يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال - تعالى -: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى . كما قال - تعالى - في شأن شريعة عيسى: { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم فيي شريعة أخرى ، فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له - تعالى - في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت