فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 1236

إن قصة أصحاب الأخدود كما وردت في سورة البروج وكما ذكرها النبي حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل، فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها والتقريرات والتوجيهات المصاحبة لها كان يخط بها خطوطًا عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله ودور البشر فيها واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع، وهو أوسع رقعة من الأرض، وأبعد مدى من الحياة. إنها قصة فئة آمنت بربها واستعلنت حقيقة إيمانها، ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد والإيمان بالله العزيز الحميد، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها، ويتلهّون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق. وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تُفتن عن دينها وهي تُحرق بالنار حتى تموت. لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة، فلم يستذلها حبّ البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعًا، وارتفعت على ذواتها.

وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخيّرة الكريمة هناك قلوب جاحدة شريرة مجرمة لئيمة، جلس أصحابها على النار، يشهدون كيف يتعذّب المؤمنون ويتألمون، جلسوا يتلهّون بمنظر الحياة تأكلها النار، والبشر يتحولون وقودًا وترابًا، وكلما ألقي فتى أو فتاة صبية أو عجوز طفل أو شيخ من المؤمنين الخيرين الكرام في النار ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوسهم، وعربَد السعار المجنون بالدماء والأشلاء.

أيها المسلمون، والتاريخ يتكرّر ولكن بصور أخرى، الحقيقة واحدة والشكل يتغير. إن عقول الفئة الكافرة لم تتغير منذ قديم الزمان إلى عصرنا الحالي، فنرى اليهود قد ارتكبوا أبشع الجرائم في فلسطين المسلمة، والروس قاموا بأفظع المذابح في أفغانستان، والصرب قتلوا وشردوا ويتّموا الكثير من العوائل في البوسنة والهرسك ومن بعدها في كوسوفا، ويعود الروس ثانية لجرح المسلمين جرحًا جديدًا في الشيشان، والآن تمارس الصليبية ما تمارس من أقسى أنواع الوحشية وأشد صور الإجرام في العراق. إنّ كل هؤلاء ظلمة مجرمون وإن اختلف شكل الأخدود.

إن قصة أصحاب الأخدود تتكرّر عبر الزمان في أكثر من مكان، وضحيتها هو هذا الإنسان.

إن نظرة البشر لكل شيء تطوّرت مع مرور الزمن إلا نظرة الكفار للمسلمين ودمائهم، فنرى الجمعيات أنشئت للرفق بالحيوان والمحافظة على البيئة، ولكن لم يتخذ أي إجراء حقيقي ولم تنشأ أي جمعية أو رابطة لحفظ دماء المسلمين وأعراضهم. لماذا كل هذا الحقد على المسلمين من جهة وتجاهلهم من جهة أخرى؟! الجواب في قول الله تعالى في قصة أصحاب الأخدود: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُّؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] ، فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد.

حقيقة ينبغي أن يتأمّلها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل؛ إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئًا آخر على الإطلاق، وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة. إنها ليست معركة سياسية، ولا معركة اقتصادية، ولا معركة عنصرية، ولا معركة من أجل البحث عن أسلحة الدمار الشامل، ولا معركة لمحاربة الإرهاب وهم أصحاب الإرهاب، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام.

وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون حيثما واجهوا عدوًا لهم، فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة، إِلاَّ أَن يُّؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة؛ راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية، كي يموّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة. فمن واجب المؤمنين أن لا يُخدعوا، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيّت، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت