أيها المسلمون، ولنرجع إلى قصة أصحاب الأخدود، ولنطوِ عبرَها كلّها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، تومض من خلال هذا العرض للقصة، تنفعنا هذه العبرة ونحن نواجه اليوم أشد أنواع المكر والكيد من كفار الأرض، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ، وذكرت تلك النهاية المروعة الأليمة لتلك الفئة المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفر التي أضرمت فيها النار، بينما لم يرد خبر في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، لم تذكر الآياتُ عقوبة دنيويّة حلّت بهم، لم تذكر أن الأرض خسفت بهم، ولا أن قارعة من السماءِ نزلت عليهم، انتهت القصّة بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود، والإعراضِ عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تذكر عقوبتهم الدنيويّة ولا الانتقام الأرضي منهم. فلماذا أُغفل مصيرُ الظالمينَ؟! أهكذا ينتهي الأمر؟! أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود، بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة، تذهبُ ناجية؟! هنا تبرز الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ القرآن وأعادت وكررت وأكدت وهي أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ جل وعلا، وإنما يجري في ملكِه؛ ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية: وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ [البروج:8، 9] . فهذا الذي جرى كلّه جرى في ملكِه ليس بعيدًا عن سطوتِه، وليسَ بعيدًا عن قدرتِه، إنما في ملكه: وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَيء شَهِيدٌ [البروج:9] . فهذا الذي جرى لم يجر في غفلةٍ من الله، ولا في سهو من الله، كلا، ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيد على ذلك، مطلع عليه، إذًا فأين جزاء هؤلاء الظالمين؟ كيف يقترفون ما قارفوا ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟! يأتي الجوابُ: كلا لم يفلتوا، إن مجال الجزاء ليست الأرض وحدَها، وليست الحياة الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجئ بعد، وإن الجزاءَ الحقيقي لم يجئ بعد، وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة، أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقيةُ والجزاء الحقيقي فهناك: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] ، هؤلاء الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيُحرقون، ولكن أين؟ في جهنم، نعم في جهنم، إن الذين أحرقوا المؤمنين في الدنيا سيحرقون ولكن في الآخرة، وما أعظمَ الفرقَ بين حريقٍ وحريق في شدته وفي مدته، أين حريقُ الدنيا بنارٍ يوقدُها الخلق من حريقِِ الآخرةِ بنارٍ يوقدُها الخالق؟! أين حريقُ الدنيا الذي ينتهي في لحظات من حريقِِ الآخرةِ الذي يمتدُ إلى آبادٍ لا يعلمُها إلا الله؟! أين حريقُ الدنيا الذي عاقبتُه رضوانُ الله من حريقِ الآخرةِ ومعهُ غضبُ الله؟! أين حريق الدنيا باستخدام الصواريخ الملتهبة والقنابل الذكية وحريق نار جهنم الذي أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة؟! هذا المعنى الضخم الذي ينبغي أن تشخصَ الأبصارُ إليه، وهو الارتباطُ بالجزاء الأخروي رهبة ورغبة، أما الدنيا فلو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربةَ ماء.
إن الدنيا هينة على الله جل وعلا، مر النبيُ وأصحابُه معه، مروا في طريقهم فإذا سباطة قوم تلقى عليها النفايات والفضلات والجيف، فإذا بالرسول ينفردُ عن أصحابه ويتّجه صوب سباطة هؤلاء القوم ليأخذَ من القمامة الملاقاة عليها جيفة تيس مشوّهِ الخلقةِ قد مات، مشوّه الخلقة، صغير الأذن، قد انكمشت أذنه، فأمسك النبيُ بهذا التيس الميت فرفعه، ثم أقام مزادًا علنيًّا ينادي على هذه الجيفة الميتة، فيقول مخاطبًا أصحابه: (( أيكم يحبُ أن يكونَ هذا له بدرهم؟ ) ): من يشتري هذا التيس المشوه بدرهم؟ وعجب الصحابة من هذا المزاد على سلعة قيمتها الشرائية صفر، ليس لها قيمة شرائية، ولذا ألقيت مع الفضلات، قالوا: يا رسولَ الله، والله لقد هانَ هذا التيس على أهلهِ حتى ألقوه على هذه السباطة، لو كان حيًا لما ساوى درهمًا لأنه مشوه، فكيف وهو ميت؟! لقد هان على أهله حتى ألقوه هنا، فكيف يزاد عليه بدرهم؟! فألقاهُ النبي ، وهوت الجيفة على السباطة، والنبي يقول: (( للدنيا أهونُ على الله من هذا على أحدِكم ) ).