فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 1236

إن الدنيا هينة على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفة التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. وإذا كانتِ الدنيا هينة على اللهِ هذا الهوان فإن اللهَ جل جلاله لم يرضها جزاءً لأوليائِه، وأيضًا لم يجعل العذاب فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه، كلا، إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين، قال الله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحياةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] .

ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنزّل على رسول الله تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقيّ والعقوبةَ الحقيقيةَ والجزاء الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبّرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25، 26] ، وقال الله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46] .

بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية

أما بعد: أيها المسلمون، إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام ومن متاع وحرمان ليست هي الغاية، وليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرّر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصارًا يشرّف الجنس البشري كلّه في جميع الأعصار، وهذا هو الانتصار.

إن الناس جميعًا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعًا لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحرّرون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى.

لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يَقتلون هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه معنى كريم جدًا، ومعنى كبير جدًا، هذا الذي ربحوه وهم بعد في هذه الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار، فتحرق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار.

إن القلوب حين يباشرها الإيمان ويستقر في سويدائها يهوّن عليها كل عسير، ويذلِّل لها كلَّ صعب وخطير، فتصبح الآلام راحة والعذاب نعيما والبكاء فرحا. ولقد رأيت ـ يا أخي الحبيب ـ في هذا الحدث العظيم كيف يصنع الإيمان الرجال وإن كانوا صغارًا في السن، وربما ازدرتهم الأعين أو استقلّتهم النفوس، لكن الإيمان يسمو بهم، فيصنعون ما لا يصنعه الرجال.

غلام صغير يبتلَى ويؤذى ويعرَّض للقتل مرارًا، بل يُذهب به إلى القتل فيمشي وكأنه يُزف ليوم زفافه، غلام داعية إلى الله، غلام يحمل في نفسه همّ إصلاح الناس، يحمل في طياته وكوامن نفسه همّ هداية الناس إلى الدّين وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويجود هذا الغلام بكل وسيلة وطريقة لإصلاح الناس حتى إذا نفد ما لديه من ذلك جاد بأغلى ما يملك، جاد بحياته، جاد بروحه رجاء هداية الناس، فكان ما أراد.

أيها المسلمون، هكذا سجّل هذا الغلام أعظم تضحية عرفها التاريخ، فقدم نفسه لإعلاء كلمة الله، ولكي يُعبد الله وحده لا شريك له، فيموت كما يموت الشهداء، فلا يجد من ألم الطعنة إلا كما يجد أحدنا من القرصة، ويأتي يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت