فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 1236

واليوم نشاهد أطفال الحجارة في فلسطين، وهم أطفال في أجسامهم، لكنهم أبطالٌ في أفعالهم، رجال في مواقفهم، فقد تربّوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم، إنها هِمَمُ رجال ترفض المهانة والذل. هؤلاء الأطفال اعتُقِل آباؤهم، وهُدّمت بيوتهم وهم يشهدون ذلك بناظريهم، إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخًا يتحدى دبابة الاحتلال دون خوفٍ أو وجل. والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة. صَبر هذا الشعب طويلًا وقدّم تضحياتٍ جسيمة، ودماؤه تُراق على أرض فلسطين، وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال وقتّلوا الأبرياء وحفروا الأخاديد ونقضوا العهود والمواثيق.

إن طفل الحجارة اليوم يريد أن يحقّق ما جاء في سورة الإسراء من وعد بالنصر حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله.

أيها المسلمون، لقد سجل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصلف اليهودي الذي أقدم وما يزال على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية. لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي والأخذِ على يديه؟! أين المعاهدات؟! أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الإجرام؟! أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟! أين دعاة السلام والداعون له؟! أين المنظّرون لثقافته؟! أين محاربة الإرهاب في العالم وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تُخرب الديار وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع؟! إن هذه الدماء لن تثمر بإذن الله إلا نفوسًا أبيّة لن ترضى الدنيّة في دينها، ولتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي ما زالت تُزيّن السلام غير العادل بزينة كالحة.

اللهم دمّر اليهود الغاصبين، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم إن اليهود والنصارى طغوا وبغوا وأسرفوا في طغيانهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وصب العذاب عليهم من فوقهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم اجعلهم حصيدًا خامدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم...

قتل أصحاب الأخدود (1)

أيها المؤمنون، يا طرف الجسد الذي تكوي الصهيونية طرفه الآخر، يا بقية الدم الذي يريقه اليهود في فلسطين ولبنان، أيتها القلوب المحترقة غيظا وألَمًا لِما يحلّ بها هناك وإن كانت الأجساد هنا، حين تشتد وطأة الظلم على المستضعفين ويجثم الليل على طريق المظلومين فليس للقلوب بلسم كالإيمان، الإيمان الذي يقطر من آي القرآن، فيغسل القلوب بماء اليقين، ويغرس فيها الأمل الذي يستشرف الغد الحقيقي في ظل العدالة الكبرى يوم يقوم الناس لرب العالمين، فهلُمَّ نقف وقفات سريعة مع قصة قصها الله على المؤمنين المستضعفين في مكة، نستلهم بعض معانيها، ونستشرف بعض آفاقها؛ لنكون في ظل المحنة التي نعيشها اليوم كما يريد ربنا أن نكون.

يقول تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [سورة البروج] .

إنها قصة فئة آمنت بربها، ثم تعرّضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق الإنسان في أن يؤمن بالله العزيز الحميد، قلوبٌ امتلأت بحبّ الله وإيثار الله والرضا بالله، ارتفع الإيمان بها على الفتنة فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تفتن عن دينها وهي تحرق بالنار حتى تموت.

(1) -موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4882) -ياسر بن محمد بابطين -جدة -جامع الأمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت