فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 1236

وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخيِّرة الكريمة كانت هناك قلوب جاحدة مجرمة لئيمة، جلس أصحابها على النار يتلهّون بمنظر الحياة تأكلها النار، والأناسي الكرام يتحوّلون وقودًا وترابًا. وكلما ألقي في النار فتى أو فتاة شيخ أو عجوز أو حتى تلك الأُمّ التي تحمل رضيعها، كلما ألقي مؤمن ومؤنة ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء.

وفي حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان، وأن هذا الإيمان لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان، فالآيات وروايات القصة لا تذكران أنّ الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة كما أخذ قوم نوح، وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

في حساب الأرض تبدو خاتمة الصراع بين الحق والباطل في قصّة الأخدود أسيفة أليمة؛ عُذّب فيها المؤمنون وحرِّقوا، ونجَا الظالمون وأفلتوا، إن حساب الأرض يحيك في الصدر شيئا أمام هذه الخاتمة الأسيفة. ولكن القرآن يعلِّم المؤمنين شيئًا آخر، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى، ويبصّرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها، وبمجال المعركة التي يخوضونها.

إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام أو متاع وحرمان ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، ثم إن النصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة، فهي ليست إلا صورة واحدة من صور النصر الكثيرة.

إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة.

إن الناس جميعًا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكنهم لا ينتصرون جميعًا هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى تلك الآفاق، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى، بل وفي دنيا الناس أيضًا.

ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس هو الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس وحدهم، إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض، وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق. وبعد ذلك كله هناك الآخرة، وهي المستقر وخاتمة طريق الدنيا ونهاية مطاف أهلها.

فالمعركة إذًا لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجئ بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح؛ لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد.

هكذا تكون قد اتصلت حياة الناس بالملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر والحق والباطل والإيمان والطغيان، ولم تعد الحياة الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع، ولا القيمة العليا في الميزان.

لقد انفسح المجال في المكان، وانفسح المجال في الزمان، وانفسح المجال في القيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها والحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكبر المؤمن بمقدار ما رأى وما عرف من الآفاق والحيوات.

نتألم كثيرا حين نرى إخواننا يُقتّلون تِباعا في وحشية وهمجية يغذيهما الحقد الصهيوني الصليبي، نحزن كثيرا على الأبرياء الذين تراق دماؤهم لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، نذرف الدمع على قوافل الشهداء في طول العالم وعرضه، ونتمنى لو كانوا مكاننا في الأمن والدعة والرخاء، أما هم فإنهم أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، يودّ أحدهم لو رد إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة أخرى لما يرى من الفضل والكرامة عند رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت