لقد ربى القرآنُ المستضعفين في مكة على هذه المعاني الجليلة، لا لييأسوا من الجولة الأولى على هذه الأرض، أو يكفوا عن الإعداد للنصر والفتح القريب، وينتظر كل واحد منهم منزله من الجنة يوم يُقتل شهيدا، كلا، فإن الله جل في علاه قد وعدهم بالنصر هنا وهناك، في الدنيا والآخرة، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، لكننا يجب أن نرى آفاق المعركة كاملة، ونعي صورَ النصر كلها، فلا يغرنا تقلب الذين كفروا في البلاد لأنه مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، ولا تهزّنا التضحيات ولا ما يسمونه خسائر في الأرواح أو الممتلكات، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ، ولا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، ولا تضحية تضيع عند الله، فلا ضير إذًا أن تذهب أجيالٌ ولمَّا ترَ النصر الموعود، ولما تذق ثمرة المقاومة والكفاح الطويل، فالمهم أنها بذلت وستلقى عند الله ثوابها في مقام كريم.
تبدأ هذه السورة بقسم وثيق الصلة بهذا المعنى العميق الذي تغرسه الآيات في قلوب المؤمنين، فتربط بين السماء وما فيها من بروج هائلة، واليوم الموعود وأحداثه الضخام، والحشود التي تشهده والأحداث المشهودة فيه. تربط بين هذا كله وبين هذا الحادث الذي جرى على هذه الأرض، فتلتقي السماء ذات البروج واليوم الموعود والشاهد والمشهود. تلتقي جميعا في إلقاء ظلال الاهتمام والاحتفال والاحتشاد والضخامة على الجو الذي يعرض فيه بعد ذلك حادث الأخدود، وتوحي جميعا بالمجال الواسع الشامل الذي يوضع فيه هذا الحادث، وتوزن فيه حقيقته، ويصفى فيه حسابه، إنه مجال أكبر من مجال الأرض، وأبعد من مدى الحياة الدنيا وأجَلها المحدود.
ثم تبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة وغضب الله على الفعلة وفاعليها، قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، الوقود الذي يؤجّجها من الحطب وأبدان الناس، وتلتحم لحظة اللعن والغضب بلحظة الجريمة البشعة؛ لأن الله لعنهم، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، فقد لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين, يشاهدون أطوار التعذيب وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار, كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع.
ثم تأتي حقيقة الصراع في قوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. إنها حقيقة ينبغي أن يتأمّلها المؤمنون في كل أرض وفي كل جيل.
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وليست شيئًا آخر على الإطلاق. إن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة. إنها ليست معركة سياسية ولا اقتصادية ولا عنصرية، ولو كانت شيئًا من هذا لسهل وقفها، وسهل حلّ إشكالها، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام.
ولئن كانت الصليبية والصهيونية فيما مضى تحاولان أن تخدَعانا عن حقيقة المعركة لننصرف عن سلاح النصر الحقيقي فيها، فماذا بقي وقد سقطت الأقنعة وانكشف النقاب عن وجه الكيد والحقد الذي يؤجّج الصراع في كل شبر يوحّد الله، وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية
بعد أن عرضت الآيات أحداث القصة عرضًا سريعا مشحونا بالإشارات إلى ما يخفى على عيون البشر ويغيب عن أذهانهم وهم يستعرضون الحدَث، بعد هذا يشير السياق إلى ملك الله في السماوات والأرض وشهادته وحضوره تعالى لكلّ ما يقع في السماوات والأرض الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
إنها لمسةٌ تُطمئن قلوب المؤمنين, وتهدّد العتاة المتجبرين، فالله كان شهيدا، وكفى بالله شهيدا.
إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث، وليس نهاية المطاف، فالبقية آتية هناك، والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آتٍ لا محالة؛ لذا تنقل الآيات رحى المعركة إلى الجولة الأخيرة منها، الجولة التي لم تشهدها هذه الأرض، الجولة التي يُصفَى فيها الحساب من كل جبار غرّته دنياه وغره حِلم الله وإمهاله.