فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 1236

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فتنوهم ومضوا في ضلالتهم سادرين، لم يندموا على ما فعلوا، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، وما أوسع رحمة الله وهي تظلّ هذا الخطاب المليء بالغضب والنقمة والتهديد من الجبار المقتدر، لتفتح باب الأمل أمام التائبين النادمين وإن كانوا في ماضيهم طغاة جبارين، أما إذا لم يتوبوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، وينص على الحريق وهو مفهوم من عذاب جهنم، ولكنه ينطق به وينصّ عليه ليكون مقابلا للحريق في الأخدود، وبنفس اللفظ الذي يدلّ على الحدث، ولكن أين حريق من حريق في شدته أو في مدته؟! حريق الدنيا بنار يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق. حريق الدنيا لحظات وتنتهي, وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله. ومع حريق الدنيا رضا الله عن المؤمنين والانتصار والرفعة، ومع حريق الآخرة غضب الله والارتكاس الهابط الذميم.

هذه خاتمة الطغيان تقابلها خاتمة الإيمان يحفها رضا الله وإنعامه، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، ولئن كانت النجاة من عذاب الآخرة فوزا فكيف بالجنات تجري من تحتها الأنهار?! إنه ليس فوزا فحسب، ولكنه الفوز الكبير كما يصفه العلي الكبير سبحانه.

بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه، وهي الخاتمة الحقيقية للموقف، فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفا من أطرافه، لا يتم به تمامه، وهذه هي الحقيقة التي غرستها الآيات لتستقر في قلوب المؤمنين المضطهدين في مكة حين نزلت الآيات، ثم في كل وقت ومكان يفتن فيه المؤمنون، حتى تستقر في قلوب المؤمنين في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان، وفي قلوب كل من يؤلمه مصاب المؤمنين هناك.

ثم يعقب سبحانه على الحدث بعد أن تكاملت صورته فيقول: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مرّ في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيرا شديدا، فالبطش الشديد هو بطش الجبار الذي له ملك السماوات والأرض، لا بطش الضعاف المهازيل الذين يتسلّطون على رقعة من الأرض محدودة, في رقعة من الزمان محدودة.

وتلقي كلمة (رَبِّكَ) المضافة إلى المخاطب ظلالا من الأمن والاطمئنان يحفّ ذلك المؤمن الذي يستنصر ربه ذا البطش الشديد.

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، ففي كل لحظة بدء وإنشاء, وفي كل لحظة إعادة لما بلي ومات، وفي ظل هذه الحركة الدائبة الشاملة يبدو حادث الأخدود مسألة عابرة في واقع الأمر وحقيقة التقدير، إلا أن بعده إعادة في ظل العدالة الحقيقية يوم يقوم الأشهاد.

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، الحبيب لعباده المؤمنين الرؤوف بهم، ألا هانت الحياة، وهان الألم، وهان العذاب، وهان كلّ غال عزيز, في سبيل لمحة رضا ونفحة حبّ يجود بها المولى الودود ذو العرش المجيد.

فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، فهو يريد مرّة أن ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض لحكمة يريدها، ويريد مرة أن ينتصر الإيمان على الفتنة وتذهب الأجسام الفانية لحكمة يريدها، يريد مرة أن يأخذ الجبارين في الأرض، ويريد مرة أن يمهلهم لليوم الموعود؛ ولذا يُذَكِّر جل في علاه بمشاهدَ أراد فيها أن يُهلك الطغاة في الدنيا، فأهلكهم وهم مدججون بالسلاح محفوفون بالقوى، ولكنها قوى البشر الهزيلة الضعيفة أمام قوة القوي العزيز ذي البطش الشديد، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، هل أتاك حديثهم?! وكيف فعل ربك بهم ما يريد?! ما يريد هو وحده لا ما يريد العباد، فلله حكمة وراء كل أمر يقضيه وقدر يجريه، فهو مدبر هذا الكون كله، المطلع على أوله وآخره، المقدر لأحداثه، وهو وحده الذي يعرف الحكمة المكونة في غيبه المستور.

لقد أغرق فرعون ذا الأوتاد بين الأمواج التي أفسحت الطريق لينجو المؤمنون، وأهلك ثمود بالصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا، ونجى صالحا والذين آمنوا برحمة منه، ومع كل هذه الحقائق التي شهد بها التاريخ الماضي والواقع الحاضر وسيشهد عَليها الغد الموعود إلا أن الكفر سادر في غيه مغرور بما بين يديه، ولكن الله تعالى بالمرصاد، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ.

أصحاب الأخدود(1)

[كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ] وهذه هي بداية القصة، دون ذكر للزمان والمكان ليمكن اعتناقها والاستفادة بها بغير الارتباط، أو التعلق بظروفها وملابساتها.

وفي قوله: [فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ] يريد فيما مضى، فيربط هذا الماضي بحاضر الدعوة في عهده فيقول: [قَبْلَكُمْ] حيث أن هذا الواقع القائم الآن هو الامتداد الصحيح لواقع الدعوة منذ بدايتها مع بداية الزمان. وهذا هو المعنى الأول المأخوذ من تلك البداية.

(1) -موسوعة المقالات والبحوث العلمية - (ج 201 / ص 1) -بقلم: خالد الحر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت