فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 1236

فطبيعة التلقي لهذا الدين هي التي تحدد طبيعة اعتناقه والالتزام به والدعوة إليه، والذين يتلقون هذا الدين على أنه بلاء، هم الذين يبقون إلى النهاية، وأخذ هذا الدين بقوة هو ضمان الاستمرار عليه.

وبذلك أراد الله أن يتفق تكوين هذا الغلام مع طبيعة الدعوة، وأن لا تشذ شخصيته عن تكاليفها، فابتلاه الله في لحظات التكوين، ووقت النمو، وفترة التربية؛ فصدق وصبر.

ودائمًا..مع شدة البلاء والأذى تظهر الآيات التى تعين على الصبر وتطمئن النفوس: [فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ فَقَالَ الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ] .

وهنا نكتشف أن الغلام كان قلقًا لتلقيه من الراهب والساحر في وقت واحد، ولقد كان من الممكن أن يستمر الغلام دون قلق إذا كان يسمع للراهب والساحر بدون شعور أو تفكير؛ لأن السماع حينئذ سيكون مجردًا من التأثر، وسيصبح الدين والسحر عند الغلام مجرد فكر وكلام ولكن القلق نشأ بسبب تأثره العميق بكلام الراهب، وإدراكه السليم لمعنى الدين.

ومن هنا ندرك الصعوبة الكبيرة التي يعانيها المسلم الأصيل في مواجهة الواقع الفاسد وندرك أن الأصالة الإسلامية لابد أن تحرك المسلم لتحديد موقفه كما فعل الغلام.

ويدل طلب الغلام لليقين -من خلال الواقع - بفضل الراهب على الاتجاه الذي يريد الغلام أن يأخذه بدينه؛ لأنه كان يريد أن يتحرك به في حياة الناس، وسيواجههم بما يؤمن به مواجهة واقعية عملية، فلابد أن تبدأ هذه المواجهة بيقين من خلال هذا الواقع، فليست الدعوة في نظر الغلام مجرد فكرة واقتناع شخصي بها، ولكنها فوق ذلك واقع يتحقق بالقَدَر الذي يسير به الوجود.

[فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ] ولم يكن الموقف الذي وقفه الراهب موقفًا عاديًا عندما قال للغلام ذلك، ولكنه موقف فاصل في حياة كل داعية، فقد تخفي الدعوة في الإنسان الذي يمارسها حبًا خفيًا للتميز باعتبار أن هذه الممارسة صورة من صور تميزه على الناس.

ولكن هذه العورة النفسية القبيحة تنكشف حتمًا إذا واجه الإنسان موقفًا يشعر فيه أن هناك من هو أفضل منه في فهم الدعوة، وأقدر على تحقيق مصلحتها. ولكن الراهب لم يكن من هذا النوع بل كان تقيًا نقيًا: [ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي] كلمات كلها إخلاص وتجرد. فهذا الراهب المعلم كان أصيلًا إذ أخبر الغلام أنه قد أصبح أفضل منه بلا حرج، ومن أين سيأتيه الحرج وقد خلصت نفسه لله تبارك وتعالى؟ فهو لم يكن يعلم ليقال عنه عالم، ولم يكن يدعو ليكون على رأس أتباع؛ ولهذا يفتح الطريق لمن يظن أنه يملك خدمة الدعوة أكثر منه؛ فيجعل من نفسه نقطة على محيط دائرة النمو العقيدي والحركي للغلام، فيقول له: [أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي] .

وإذا تذكرنا أن الغلام كان صغيرًا سنًا، وأنه ما التقى بالراهب إلا منذ وقت قريب فإننا ندرك مدى الفهم الصحيح عند الراهب للدعوة؛ فالدعوة ليست بالعمر الذي يعيشه الإنسان، ولكن بالإيمان والكفاءة، والأثر. وبذلك يمثل الراهب في واقع الدعوة ضرورة القيادة الزاهدة، ويمثل الغلام ضرورة الاستجابة الفطرية.

فالقائد لايريد حظًا من الدنيا، والمستجيب كان غلامًا حديث عهد بالدنيا. فالقيادة الزاهدة والاستجابة الفطرية هي الارتباط الصحيح الذي يبارك الله فيه ليكون بداية البناء وأساسه، وهي المقياس الذي يقبل به أي ارتباط، أو يرفض منذ البداية حتى يتم البناء.

وبعد أن رأينا التجرد نرى التربية الصحيحة، إذ أن الراهب لما ذكر للغلام ميزته أتبعها بالمسئولية التى تقع عليه باعتبار تلك الميزة، وهذا في الواقع حماية للإنسان من الغرور؛ لأن الإحساس بتكاليفها يجعل الإنسان يعيش في شعور دائم بميزاته، فينحرف به ذلك الشعور إلى الغرور، ولهذا لما قال الراهب للغلام: [أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي] قال له: [وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى] .

[وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ] وهكذا حدد الغلام قضية دعوته وربط تلك القضية بواقع الناس وألف قلوبهم عليها. فأصبح للدعوة تيارًا قويًا امتد إلى كل مجالات المجتمع.

وحتى هذه اللحظة لم يكن الملك قد علم بخبر الغلام، ولكن الله قدر أن لا يعلم الملك بخبر الغلام إلا من خلال هذا الجليس وبعد أن أصبح للدعوة تيار قوي. وهذه كانت مرحلة البداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت