فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 1236

[فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي] ويرد الغلام على الجليس مبينًا له أنه ليس هو الذي يشفي، ولكنه الله سبحانه، فيقول: [ إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ] ويتجاهل الغلام الفكرة التي عرضها الجليس- فكرة الهدايا- والتي لم تنل من إحساسه شيئًا، ويقول له: [فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ] وهنا ترتفع قيمة الأمر بالإيمان في تصور الجليس؛ لأن شفاؤه سيكون بهذا الإيمان، ولأن الأمر بالإيمان كان بديلًا للهدايا والمادة التي تنال من نفوس الناس تقديرًا واعتبارًا، فانعكس هذا التقدير والاعتبار على الأمر الذي طلبه الغلام [فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ] .

وعندما قال الغلام: [ إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ] إنما أكد بذلك عقيدته من خلال المنفعة التي قدمها للجليس.

[فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ] .

وهكذا في بساطة، وهذا يؤكد لنا أن أساس الدعوة ليس بالكلام الذي تعرض به القضية فقط بل بصحة الأسلوب العملي الذي ينجح في كشف حقيقة الإيمان الكامنة في كيان الإنسان. حتى دون الطلب الصريح أو الدعوة المباشرة ولو بكلمة واحدة .

ولذلك نلاحظ أن الغلام لم ينطق في تبليغه لقضية الدعوة إلا بثلاث عبارات في القصة كلها:

قوله: [ إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ] ردًا على الجليس عندما طلب الشفاء، وردًا على الملك عندما ادعى أن مايفعله الغلام إنما هو سحر.

وقوله: [كَفَانِيهِمُ اللَّهُ] ردًا على الملك بعد نجاته من الموت فوق الجبل، وفي السفينة.

وقوله: [ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ] عندما دل الملك على الكيفية التي يستطيع أن يقتله بها.

ولكن هذه العبارات الثلاث تمثل في الحقيقة ثلاث نقاط في خط الإثبات العقيدي لقضايا الدعوة من خلال الواقع: فالله الشافي.. والله الكافي.. والله المحيي المميت.. حقائق لم يرددها الغلام كقضايا جدلية وكلامية.

ولكنه ذكرها كحقائق نهائية ثابتة في واقع قائم بحيث لا يمكن ردها أو حتى مناقشتها، والحقيقة أن البداية لهذا الخط -كما جاء في القصة -ترجع إلى إيمان الغلام نفسه.. وذلك عندما طلب الغلام اليقين من خلال الواقع، فدعا الله أن يقتل هذه الدابة إذا كان أمر الراهب أحب إليه سبحانه من أمر الساحر، وهذا يعني أن طبيعة التلقي لحقائق هذا الدين واليقين به هي التي تحدد طبيعة الدعوة إليه في خط واحد.

نعود إلى القصة، فنجد الجليس قد أتى إلى الملك فجلس إليه كما كان يجلس من قبل فقال له الملك: [مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ قَالَ رَبِّي قَالَ وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي قَالَ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ] . وفظيع جدًا أن يدعى الإنسان الربوبية لنفسه، ولكن كيف يكون هذا الإدعاء؟ فمن خلال دراسة هذه الظاهرة البشعة نجد أن القرآن سجلها على فرعون، وعلى الملك النمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربه، وهذان يتفقان مع هذا الملك في أمرين هما: الكفر بالله، والملك على الناس.

فبدأ الأمر بكفر الإنسان بالله، ومنه الكفر بقضائه وقدره، ومنه ظن الكافر أنه هو الذي يصنع حياته ويصرفها برغبته، وإن كان متسلطًا على الخلق ظن أنه يؤثر بذاته في معيشتهم، ويصنع حياتهم فهو يأمر فيطاع، ويحكم فيستبد، ويتصرف بالهوى دون معارضة أو مراقبة، وهو الذي يتصرف في مقدرات الناس دون منازع، وهو الذي يعلو في الأرض ويستكبر على الأتباع كما قال فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [51] } [سورة الزخرف] . وقال:...مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [29] } [سورة غافر] . ثم قال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي... [38] } [سورة القصص] .

ولكن المؤمن لايبالي بمثل هؤلاء الناس فيواجههم بقوة وصراحة كما فعل الجليس مع الملك، فقال له: [ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ] ولم يكن الجليس ليستطيع هذه المواجهة إلا إذا خالط قلبه بشاشة الإيمان؛ لأنه حينما يكون ذلك، تكون الثقة والطلاقة والقوة، وهؤلاء هم سحرة فرعون يسجدون لله بعد أن علموا أن موسى رسول الله، وليس ساحرًا، فيهددهم فرعون قائلًا: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [71] } [سورة طه] . فيردون عليه قائلين: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [72] } [سورة طه] ..

وهكذا أيضًا تعامل الملك مع الجليس: [فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ] لم يقتله فورًا حتى يكشف بقية الجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت