[فَجِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ] الملك الطاغوت يقول: [أَيْ بُنَيَّ] كلمة كلها مكر وخبث، وضغط على نفس الغلام، وإغراء له بالقرب منه بما يتضمن هذا القرب من مستقبل زاهر، وحياة مترفة.
ويقول الملك: [قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ] وقد حاول الملك بهذه العبارة أن يسرق ما كسبه الغلام من تقدير في نفوس الناس بأن يعود بتفسير أعمال الغلام إلى السحر الذي تعلمه من ساحر الملك الذي أتى الملك إليه بالغلام.
وهذا ما يصنعه الذين لايريدون الاعتراف بالحق فيفسرونه بأي شيء غير الحق:
وهذا ما فعله فرعون لما هزمه موسى فقال:...إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ... [71] } [سورة طه] . ولما ناقشه موسى في قضاياه ومسلمات حياته بجرأة وحزم: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [27] } [سورة الشعراء] .
وهذا مافعله أيضًا المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما رأوه ينفي الألوهية عن أصنامهم بجرأة وقوة قالوا:...مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [14] } [سورة الدخان] .
ولما رأوه يواجههم بالبلاغة القرآنية قالوا:...شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [30] } [سورة الطور] .
ولما رأوا الصحابة واثقين في دعوتهم قالوا:...غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ... [49] } [سورة الأنفال] والملاحظة الدقيقة في تفسير أصحاب الباطل للحق بغير الحق هي شرط أن يكون هذا التفسير مقبولًا عند الناس.
ومن هنا كان تفسير المعجزة بالسحر والجرأة بالجنون والبلاغة بالشعر والثقة بالغرور ولذلك عقدت قريش مؤتمرًا نراها فيه تحاول محاولة دقيقة للاتفاق على الوصف الذي سيصفون به الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن بحيث تراعي فيه هذه الشروط.
قالوا: نقول: كاهن؟ قال: لا والله، ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: نقول مجنون.قال ما هو مجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر، قال: ماهو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولاعقدهم. قالوا: ما نقول ياأبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن قرعه لجناه، ما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا وعرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك.
ويفشل الملك في إغراء الغلام: [فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ] . ليست خيانة ولا عمالة ولكنها الطاقة البشرية المحدودة. هذه حقيقة يجب الاعتراف بها، وأي إنسان يقف موقف الغلام عندما دل على الراهب يتألم ألمًا أكبر من ألم التعذيب، ثم يتضائل أمام نفسه.. ينطوي عليها.. يحتقرها.. يكرهها، ثم يظل يرقب من بعيد نظرة فيها الرحمة، وطلاقة وجه فيها الإعذار، ويد فيها العون، ويكون هذا واجب الجماعة في ذلك الموقف.
ولكن حدوث هذه النتيجة التي انتهى إليها الغلام لا يكون إلا بعد بلوغ حد الاستطاعة في الصبر والتحمل والثبات وهذا هو الحد الفاصل بين أن يكون المتكلم في محنة التعذيب معذورًا أو مقصرًا.
وبلوغ حد الاستطاعة في الصبر والتحمل والثبت لايكون إلا بمعرفة إمكانية المواجهة الصحيحة لمحنة التعذيب.
وأهم عناصر هذه الإمكانية هي دخول المحنة بالعزم المسبق على مقاومة الانهيار، حيث إن دخول مرحلة التعذيب تجعل الفرد في حالة شبه لا إرادية والعزم المسبق هو الذي يحقق المقاومة.
وكذلك الأمر في التعذيب حيث ينشىء العزم المسبق نوعًا من الإرادة ومقاومة الانهيار.
والمقاومة الدائمة هي أكبر إمكانيات المواجهة.
وأهم العوامل المساعدة على المقاومة هي المتابعة الذهنية عند الفرد لمراحل التعذيب والغرض المحدد لكل مرحلة؛ فمثلًا مرحلة أن يبدأ تعذيب الفرد برؤيته لتعذيب الآخرين - كما فعل الملك مع الغلام- يكون الغرض منها تحطيم العزم المسبق بعدم الكلام.. وجعل الفرد يدخل محنة التعذيب بلا عزم على الصبر والتحمل والثبات، وذلك من خلال استغلال الخوف الذي يسبق الدخول في التعذيب وهذا الخوف أشد من آثار التعذيب ذاته.
وإدراك مثل هذه الأغراض هو الذي يمكن الفرد من تفادي الأثر المطلوب منها. كما أن وصول الفرد الممتحن إلى مرحلة الانهيار لايعنى هدم كل خطوط الدفاع النفسية. حيث إن هناك خطًا قويًا يجب الانتباه إليه، وهو خط العلاقة النفسية بين الفرد الواقع تحت التعذيب والأفراد الذين سينالهم الأذى بانهياره، فكلما كان الحب قويًا وشديدًا كانت إرادة الصبر والتحمل قوية وشديدة أيضًا.